قائمة المدونة محتويات المدونة

21‏/01‏/2012

20- كتاب: السلام العالمي والإسلام - سيد قطب

"السلام العالمي.. والإسلام" لسيد قطب: أهم موضوعاته وأفكاره: [يقول رحمه الله: "إن الإسلام يبدأ محاولة السلام أولاً في ضمير الفرد، ثم في محيط الأسرة، ثم في وسط الجماعة. وأخيراً يحاول في الميدان الدولي بين الأمم والشعوب". كتاب فريد في بابه يوضح دور الإسلام في نشر السلام العالمي الحقيقي، ومعنى كَون الإسلام "رحمة للعالمين" والكتاب مع فصله المحذوف "والآن"].
  
لتنزيل الكتاب نسخة (PDF) لطفاً (اضغط هنا).

ومما جاء فيه: ’’إن الإسلام ينفي منذ الخطوة الأولى معظم الأسباب التي تثير في الأرض الحروب، ويستبعد ألواناً من الحرب لا يقر بواعثها وأهدافها.

يستبعد الحروب التي تثيرها القومية العنصرية، فلا مكان فيه للقومية العنصرية، وهو يقرر أن الناس كلهم من أصل واحد، وأنهم خلقوا كلهم من نفس واحدة، وأنهم جعلوا شعوباً وقبائل ليتعارفوا.

ويستبعد الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع: حروب الاستعمار والاستغلال، والبحث عن الأسواق والخامات، واسترقاق المرافق والرجال. فلا مكان فيه لهذه الحروب، وهو يعد البشرية كلها وحدة متعاونة، بل يعد الحياة كلها أسرة قريبة النسب، بل يعد الكون كله وحدة غير متنازعة الأهداف. وهو يأمر بالتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وهو يحرم السلب والنهب والغصب، وهو يعد البشرية كلها بالحق المطلق، لا فارق بين جنس أو لون أو عقيدة في الاستمتاع الكامل بعدل الله في ظل شريعة الله، في النظام الذي قرره الله.

كما يستبعد الحروب التي يثيرها حب الأمجاد الزائفة للملوك والأبطال. أو حب المغانم الشخصية والأسلاب. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى. فمن في سبيل الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم: "من قاتلَ لتكونَ كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

هنا تتبين تلك الحرب الوحيدة المشروعة التي يقرها الإسلام: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" فماذا هي كلمة الله التي يقاتل من يقاتل في سبيلها فيكون في سبيل الله؟

إن كلمة الله هي التعبير عن إرادته، وإرادته الظاهرة لنا نحن البشر، هي التي يقررها هو - سبحانه - ويحددها كلامه: "حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله".. ولا يكون الدين كله لله، إلا عند إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والعبادة والطاعة والدينونة. فلا يعبد الناس إلا إلهاً واحداً، ولا يدينون في نظام حياتهم ومعاشهم إلا لما يشرعه ويأذن به هذا الإله الواحد، ولا يستمدون مناهج حياتهم الدنيوية - كالأخروية سواء - إلا من منهج الله القويم. وبهذا وحده يكون الدين كله لله - بمعنى الدينونة لله وحده في كل شأن من شؤون الحياة - وبذلك يكون في الأرض رب واحد، لا أرباب متفرقة...

ولقد جاء الإسلام إلى هذه الإنسانية كلها، فمن تحقيق كلمة الله أن يصل هذا الخير الذي جاء الإسلام به إلى الناس جميعاً، وألا يحول بينهم وبينه حائل. فمن وقف في طريق هذا الخير أن يصل إلى الناس كافة، وحال بينهم وبينه بالقوة، فهو إذن معتد على كلمة الله، وإزالته من طريق هذه الدعوة هي إذن تحقيق لكلمة الله. لا لفرض الإسلام فرضاً على الناس، ولكن لمنحهم حرية المعرفة وخيرة الهداية. فالإسلام لا يكره أحداً على اعتناقه: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" ولكنه يكره الذين يقفون بالقوة في طريقه، ويفتنون الناس عنه. أو يمنعونهم ابتداء من تبين الرشد من الغي، عن طريق السيطرة عليهم وحرمانهم حق الاختيار.. وهذه هي الحرب التي يقرها الإسلام ويحرض عليها تحريضاً، ويدعو رسوله أن يحرض عليها المؤمنين ويحب الذين يخوضونها، ويعدهم أعلى درجات الرضوان...

ولقد جاء الإسلام ليحقق العدالة في الأرض قاطبة، ويقيم القسط بين البشر عامة. العدالة بكل أنواعها: العدالة الاجتماعية، والعدالة القانونية، والعدالة الدولية، فمن بغى وظلم وجانب العدل فقد خالف عن كلمة الله، وعلى المسلمين أن يقاتلوا لإعلاء كلمة الله، وأن يردوا الشاردين عنها إليها حتى لو امتشقوا الحسام في وجوه المسلمين الباغين، فالعدل المطلق، ورد البغي والعدوان، هو كلمة الله التي يجب أن تعلو في كل حال وفي كل مكان: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات : 9]

وإذا كان الإسلام يدعو المسلمين أن يقاتلوا المسلمين البغاة لرد البغي وتحقيق القسط، فهو يدعوهم إلى دفع الظلم كافة.. إلى دفع الظلم عن أنفسهم وإلى دفعه عن كل مظلوم لا يملك له دفعاً، على ألا يعتدوا هم ولا يبغوا في أثناء رد العدوان: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة : 190]

{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} [النساء : 75]

لهذه الأغراض العليا وحدها يحمل الإسلام السيف، ويعظم الإسلام الجهاد، ويعدُ المجاهدين أعلى درجات الشهادة والجزاء: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة : 111] {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران : 169: 171]

 ولهذه الأغراض العليا وحدها يدعوهم إلى أن يعدوا العدة، ويهيئوا القوة، وألا يهنوا ويدعوا إلى السلم الرخيصة: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال : 60].. {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد : 35]

على أن إعداد العدة وتوفير القوة غرض مقصود لذاته، وضرورة من ضرورات الحركة الإسلامية.. إن الإسلام هو آخر رسالة الله إلى البشر، وهو جماع العقيدة التي أرادها الله للناس، وهو "الدين" الذي جاء بقواعده الأساسية كل رسول: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران : 19] {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران : 85] فكل نبي جاء ليأمر الناس بعبادة الله الواحد دون شريك، والإسلام لله الواحد بلا تردد: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : 25]

ثم جاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا الدين {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة : 48].

هذه الرسالة الأخيرة إذن هي الوصية على روح البشرية كلها وعلى حياتها جميعاً، ولا بد للوصي من قوة تقرر وصايته، لا عن طريق الإرغام والإرهاب، ولكن عن طريق الاحترام والهيبة. والناس هم الناس. لا بد أن يزيغوا إذا لم يجدوا الرادع القوي الذي يحفظ الحدود ويحميها. فلا بد أن تكون هنالك قوة يحسبون حسابها. ولو لم تمد إليهم يدها. والهدى الأعزل مهمل. والخير الضعيف منبوذ.

فإعداد القوة واجب. واجب ليكون في هذه الأرض سلطة عليا ترد الشاردين عن الحق إليه، وتقف الطغاة عن البغي والعدوان، وتحفظ على الآمنين أمنهم وسلامتهم، وتعز كلمة الله عن الاستخفاف والهوان، وتقر سلطان الله في الأرض، وتفرده - سبحانه - بالسلطان.

فأما حين تتحقق الحرية المنيعة، فلا يصد الناس بالقوة عن كلمة الله، ولا يفتنون عن دينهم الذي ارتضاه لهم الله نظاماً شاملاً للحياة، وحين لا يقوم في الأرض سلطة تعبّد الناس في الأرض لأرباب من دون الله. وحين تتحقق العدالة الخيرة، فلا يبغي بعض الناس على بعض، ولا يستذل بعضهم رقاب بعض. وحين يتحقق الأمن للضعفاء الذين لا يملكون عن أنفسهم دفاعاً، ويكف الباغي عن بغيه ويجنح إلى السلم والمهادنة.. حين يتم هذا فالإسلام المالك للقوة المستعد للطوارئ يضع السيف جانباً ويدعوا إلى السلم فوراً: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} [الأنفال:61].. {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال : 39]..

ذلك إجمال فكرة السلام في الإسلام: السلم قاعدة والحرب ضرورة. ضرورة لتقرير سلطان الله في الأرض ليتحرر الناس من العبودية لغير الله. وضرورة لدفع البغي من البغاة وتحقيق كلمة الله وعدل الله.. ضرورة لتحقيق خير البشرية، لا خير أمة ولا خير جنس ولا خير فرد. ضرورة لتحقيق المثل الإنسانية العليا التي جعلها الله غاية للحياة الدنيا.. ضرورة لتأمين الناس من الضغط، وتأمينهم من الخوف، وتأمينهم من الظلم، وتأمينهم من الضر.. ضرورة لتحقيق العدل المطلق في الأرض. فتصبح إذن كلمة الله هي العليا.

وواقع الإسلام التاريخي يثبت هذه المبادئ النظرية. فلقد جاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مأموراً أن يبلغ الرسالة للناس كافة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ : 28].. وأن يعلن دعوة الله خالصة، بلا منٍّ وبلا أجر: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر/ 1: 7]. وأن يسلك بالدعوة طريق الجدل بالحسنى، والإقناع بالحجة. في غير قسوة ولا غلظة: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل : 125]

.. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق : 45]

 وهكذا سارت الدعوة على هذا الأساس، لا يبغي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الناس إلا أن يستمعوا إليه. فإن صغت قلوبهم إلى الإيمان فليؤمنوا، وإن قست قلوبهم وران عليهم الضلال فأمرهم إلى الله. متى تحقق لهم أن يتحرروا من سلطان الطواغيت ويواجهوا عقيدة الإسلام أحراراً في الاختيار، بغير ضغط من سلطة قاهرة تصدهم عن هدى الله وتقف لهم بالقوة دون الاستجابة للهداة...

ولكن الجاهليين لم يسالموا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم، ولم يدعوا للدعوة السلمية طريقها، ولا لمعتنقيها المقتنعين بها حريتهم، فآذوهم وأخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، وقاتلوهم حيثما وجدوهم، وحالوا بين الدعوة وبين الأسماع بالقوة المادية المجردة من كل إقناع.

وعندئذ حمل الإسلام السيف ليذود عن مبدأ أساسي من مبادئه: مبدأ حرية الدعوة وحرية العقيدة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ  إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39، 40]

ولا يتم الحديث عن طبيعة السلام في الإسلام حتى نشير إلى المجال الذي يعمل فيه الإسلام. إن الإسلام في طبيعته الكلية في النظرة إلى الحياة، لا يجزّئ السلام، ولا ينشده في حقل مفرد من حقول الحياة. إنما يجعل السلام كله وحدة، ويحاول تحقيقه في كل حقل، ويربط بينه وبين النظرة الكلية للكون والحياة والإنسان. وبذلك تصبح كلمة "السلام" التي يعنيها الإسلام ذات دلالة أعمق وأشمل من معناه الذي تتعارف عليه الدول في هذا الأيام. فهو السلام الذي يحقق كلمة الله في الأرض من الحرية والعدل والأمن لجميع الناس، لا مجرد الكف عن الحرب بأي ثمن، مهما يقع في الأرض من ظلم ومن فساد! ومهما يكن في الأرض من طاغوت واعتداء على سلطان الله وألوهية الله!

وحين يحاول الإسلام إقرار السلام الشامل وفق مبادئه العليا في تحقيق كلمة الله، لا يبدأ في مجال السلام الدولي، فتلك نهاية المرحلة لا بدايتها، وما السلام الدولي إلا الحلقة الأخيرة التي تسبقها حلقات.

إن الإسلام يبدأ محاولة السلام أولاً في ضمير الفرد، ثم في محيط الأسرة، ثم في وسط الجماعة. وأخيراً يحاول في الميدان الدولي بين الأمم والشعوب.

إنه ينشد السلام في علاقة الفرد بربه، وفي علاقته بنفسه، وفي علاقة الفرد بالجماعة. ثم ينشده في علاقة الطائفة بالطوائف، وعلاقة الأفراد بالحكومات، ثم ينشده في علاقة الدولة بالدول بعد تلك الخطوات.

وإنه ليسير في تحقيق هذه الغاية الأخيرة في طريق طويل يعبر فيه من سلام الضمير، إلى سلامة البيت، إلى سلام المجتمع، إلى سلام العالم في نهاية المطاف.‘‘

  ***

وهذا هو الفصل الأخير المحذوف من كتاب "السلام العالمي والإسلام" للأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله ـ صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1951م، وحُذف الفصل الأخير منه، والذي بعنوان "والآن.." في الطبعات اللاحقة!

"والآن..."

’’الآن.. بعد استعراض فكرة السلام في الإسلام، والإلمام بفكرة الإسلام الكلية عن الحياة.. الآن بعد معرفة المدلول الكامل لكلمة "السلام" في الإسلام، هذا المدلول الذي يشمل إقرار السلام في الأرض، على أسس من العدالة المطلقة، ومن الخير الشامل. تحقيقاً لكلمة الله .. وإلا فالجهاد الدائم لتحقيق هذه الكلمة، والكفاح الدائم لدفع البغي والعدوان، والصراع الدائم مع الفساد والطغيان.

الآن ما طريقنا نحن الأمة المسلمة؟ ما موقفنا من الصراع العالمي الذي يدور حولنا؟ ما واجبنا تجاه الحياة، وتجاه الإنسانية، وتجاه أنفسنا؟

لقد قلت في مطلع هذا الكتاب: إن عقيدتنا الإسلامية تملك أن تسعفنا بحلول عملية، لمواجهة مشكلاتنا الداخلية والخارجية.. وقد تبين من هذا الاستعراض أن هذه العقيدة لا تفصل بين المشكلات الداخلية والمشكلات الخارجية، فهي تربط بينها في حياة الإنسانية، وتربط بينها في وسائل العلاج.

فإن كلتا الكتلتين (أمريكا وروسيا) تحاول أن تلقي في روع البقية الباقية من العالم، أن ليس للبشرية كلها إلا أن تسلك طريقاً من طريقين، وأن تنضم إلى كتلة من الكتلتين، وأنه لا مفر من أن تنتصر الجبهة الغربية، أو أن تنتصر الجبهة الشرقية، ليسود السلام، وتنعم البشرية بالأمن، وتصل الإنسانية إلى استقرار؛ وأن انضمام البقية الباقية من العالم، هو السبيل الوحيد لتغليب إحدى القوتين على الأخرى بصفة حاسمة، لإنهاء حالة القلق والتأرجح والاضطراب.

على أنني أعيذ البشرية أن يستبد بها الصلف الأمريكي السخيف، الذي قد لا يقاس إليه الصلف البريطاني ذاته في أرض المستعمرات.. إن عداوة الأمريكي للملونين عداوة كريهة بغيضة، وإن احتقاره للملونين لتهون إلى جانبه تعاليم النازية؛ وإن صلف الرجل الأبيض في أمريكا ليفوق كل ما كانت تتصوره الهتلرية!! وويل للبشرية يوم يوقِعها سوء الطالع في ربقة هذا الصلف الأمريكاني، بلا قوة في الأرض تخشى، ويعمل لها حساب!

إن طريق الخلاص للبشرية المنكودة الطالع لن يكون هو الانضمام إلى هذا المعسكر أو ذاك، ليسحق أحدهما الآخر سحقًا، ويخلو له وجه العالم، يسيطر عليه وحده، ويسيِّره كما يريد!

إن المعركة في صميمها ستدور في أرض غير أرض الكتلتين.. ستدور في تركيا وإيران.. والعراق وسورية، ومصر والشمال الأفريقي.. وفي باكستان وأفغانستان.. وفي منابع البترول الإيرانية والعربية في عبادان والظهرات.

إنها ستدمر مواردنا نحن، وتحطم حياتنا نحن، وتدع أرضنا بقعًا خراباً.. وسواء علينا انتصرت هذه، أم انتصرت تلك، فسنخرج نحن من المعركة فتاتًا وحطامًا!! لا كما خرجت أوروبا من الحروب الماضية، ولكن كما لم تخرج أمة من حرب قط!

إن دعاة الكتلة الغربية هنا يمّنوننا بحل قضايانا المعلقة مع الاستعمار، إذا نحن انضممنا إلى معسكر الرأسمالية، الذي يدعونه معسكر الديمقراطية! كأننا لم ننضم إلى هذا المعسكر مرتين متواليتين، وكأننا لم نلدغ من ذلك الجحر مرتين.. وأنا أعرف السبب في ذلك الموقف الغريب المريب.. إنه تلك المحالفة الطبيعية بين الرأسمالية المحلية والاستعمار الغربي.. إنه المصلحة المشتركة بين المحتلين والمستغلين..

إن طريق الخلاص هو أن تبرز إلى الوجود في أرض المعركة المنتظرة كتلة ثالثة، تقول لهؤلاء ولهؤلاء: لا!

إننا لن نسمح لكم بأن تديروا المعركة على أشلائنا وحطامنا، إننا لن ندع مواردنا تخدم مطامعكم، ولن ندع أجسادنا تطهر حقول ألغامكم، ولن نسلمكم رقابنا كالخراف والجِداء!

يجب أن يشعر هؤلاء أن في هذه الرقعة الفسيحة الضخمة الهائمة ناسًا، يحسب لهم حساب، لا كميات هائلة، ولا ماشية وأذناب! وإن الذين استعمرت دعايات الكتلتين وأرواحهم ليقولون: إن هذا مستحيل، ما إليه من سبيل، فنحن لا نملك القوة التي نقف بها حاجزًا بين الكتلتين، وستدوسنا الأقدام من هنا أو من هناك، لا يغني عنا أن نعلن الحياد، أو أن ننضم إلى هذا أو ذاك!!

وأنا أدرك كيف تستعمر الدعاية الأرواح والأذهان، ولكني لا أدرك كيف يهون الناس على أنفسهم إلى هذا الحد المزري، وكيف لا يخجلون أن يصبحوا بإرادتهم عبيدًا وأشياءً!

فأما كيف تتحقق كلمة الإسلام هذه في واقع الحياة؟

فالجواب أنها لا تستطيع في الظروف العالمية الراهنة أن تتحقق إلا أن تخطو الأمة الإسلامية خطوتين متلازمتين:

الخطوة الأولى: هي الرجوع إلى حكم الإسلام في داخل كل دولة من دويلاتها ودولها القائمة.. واستمداد القوانين والتشريعات من الشريعة الإسلامية. وتنفيذ المبادئ الخلقية والاقتصادية والاجتماعية المستمدة من هذه الشريعة، وصياغة مناهج تعليمها وتربيتها وبرامجها، في ظل الفكرة الإسلامية عن الحياة!

والخطوة الثانية: هي تكتل هذه الدويلات والدول تحت الراية الإسلامية تكتلها في ميدان السياسة الدولية، وفي المجال الاقتصادي، وفي المجال الحربي سواء.. تكتلها على أساس أنها:

أولا: تطلب الاستقلال والحرية كاملين، ولها ولأهلها جميعًا وأنها ستكون حربًا على كل معتد على هذا الاستقلال.

وأنها ثانيًا: تقف ضد كل اعتداء وكل استعمار، من أي نوع، على ظهر هذه الأرض جميعًا.

وهذه الكتلة المتجانسة هي التي تملك أن تحمل راية جديدة، تمثل فكرة إنسانية جديدة، وتلوح به للبشرية الضالة المعذبة الشقية المنكودة.

هذه الكتلة المتصلة الحدود، من شواطئ الأطلنطي إلى شواطئ الباسفيكي، والتي تضم مراكش وتونس والجزائر وليبيا ووادي النيل وسوريا ولبنان والعراق والأردن والجزيرة العربية واليمن، وتركيا وإيران وأفغانستان وأندونيسيا.

هذه الكتلة تملك أن يكون لها وزن، حتى لو كانت مجردة من السلاح، وتملك أن تجعل كل كتلة من الكتلتين المتنازعتين (أمريكا وروسيا) تفكر مرتين قبل الإقدام على حرب، تجتاح فيها هذه المناطق الشاسعة، التي تقوم مصرة على سياستها الاستعمارية، الطاغية الباغية في هذه الأرض، المنكوبة بلعنة الاستعمار!

هذه الكتلة تملك هذا كله، إذا وصلت درجة اليقظ فيها إلى الحد الذي تقف به في وجه الدعايات المزيفة، التي يقوم بها دعاة كل من الكتلتين فيها.. إذا هي عرفت كيف تجبر حكامها والمستغلين فيها على انتهاج سياسة إسلامية خالصة.. إذا هي نظمت اقتصادياتها وإمكانياتها، وخلصتها من "الاستعمار الاقتصادي"، الذي يمّكن له فيها حكامها، وأصحاب رؤوس الأموال المستغلون، الذين لا يهمهم وطن ولا قومية ولا دين.

وأنا أكتب هذا للشعوب، لا للحكومات. أكتبه للجماهير، لا للمستغلين.. وأنا مؤمن بالشعوب والجماهير، في تلك الرقعة العريضة من الأرض! وأيًا ما كانت عوامل الضعف والفرقة، وعوامل الضغط والكبت، فإن واجب الدعاة ألا يفقدوا إيمانهم بالشعوب.

فالشعوب تملك حين تريد.. تملك أن تسبب المتاعب للأقوياء، ولحلفائهم من أهل البلاد.. تملك أن تكلف هؤلاء وهؤلاء عنتًا دائمًا، لا يأمنون معه الاندفاع، ولا يحمون معه ظهورهم من الاضطراب والانتقاض..

ولقد آن للشعوب أن تضع حدًا لذلك العبث الآثم، الذي يزاوله حكامها والمستغلون فيها، وأن تقرر مصائرها بأيديها، وتقطع كل يد تعبث بهذه المصائر، لغاية خاصة لا تعني هذه الشعوب.‘‘

(الفصل الأخير "والآن.." المحذوف من كتاب السلام العالمي والإسلام.. صدرت الطبعة الأولى: 1951 م - سيد قطب)

***