قائمة المدونة محتويات المدونة

22‏/05‏/2012

140- بحث: "جماعات التغيير السلمي.. تحليل نفسي" - بواسطة الذكاء الاصطناعي

"جماعات التغيير السلمي.. تحليل نفسي" بواسطة ChatGPT أهم موضوعاته وأفكاره] :تناول البحث التحليل النفسي والفكري لجماعات التغيير السلمي، والفرق بين السلمية كخيار مبدئي وخيار تكتيكي، وهل تبحث جماعات التغيير السلمي عن القوة، وتغيير النظام السياسي فعلاً؟ ولماذا لا تستسلم أو تغير طريقة فكرها وعملها؟]

 موضوع البحث: قم بالتحليل النفسي الدقيق لجماعة من الناس تحاول التغيير في نظام سياسي مستبد (لا يسمح بأي معارضة) هذه الجماعة تلتزم بالمسار السلمي، وتدفع تضحيات هائلة على مدى عقود، ثم تكرر نفس الأخطاء ونفس النتيجة وهي الفشل في حصول أي تغيير إيجابي، ولا تفكر في مسارات أخرى أبداً كما إنها لا تستسلم أيضاً، وتظل تحاول وتفشل.

حاول ضرب أمثلة إن أمكن.. وهل هناك أسباب أيديولوجية أو دينية تدفعهم لذلك؟

إليكم إجابة الذكاء الاصطناعي ChatGPT Plus (كما هي بنصها وحروفها دون تدخل مني) – بتاريخ: 13- 04 - 2026:

أقرب توصيف نفسي لهذه الجماعة هو أنها لم تعد تعمل فقط كـ حركة تغيير سياسي، بل تحوّلت تدريجيًا إلى جماعة معنى وهوية وشهادة أخلاقية .أي أن الفعل السلمي عندها لم يعد مجرد وسيلة لتحقيق نتيجة، بل صار جزءًا من تعريفها لنفسها : من نحن؟ وكيف نختلف عن المستبد؟ في أدبيات المقاومة اللاعنفية هناك فرق مهم بين اللاعنف المبدئي بوصفه التزامًا أخلاقيًا، واللاعنف الاستراتيجي بوصفه الأداة الأكثر نجاعة في ظرف معين. حين تظل جماعة ما متمسكة بالسلمية رغم عقود من الإخفاق، فهذا يرجّح أن اللاعنف عندها أصبح مبدئيًا وهوياتيًا أكثر منه تكتيكيًاOUP Academic

نفسيًا، هذا النمط لا يعني بالضرورة السذاجة أو الجنون، بل يعني غالبًا اجتماع خمس آليات معًا. الأولى :  تقديس القيمة؛ فبعض الجماعات تتعامل مع السلمية أو العدالة أو “طهارة الوسيلة” كقيمة مقدسة لا تُقايَض، وحين تصبح القيمة “مقدسة” تتراجع حسابات الربح والخسارة العادية. الثانية: الهوية الجمعية؛ فالمشاركة الطويلة في القمع والسجن والمنفى تصنع رابطة عاطفية عميقة تجعل تغيير المسار يبدو وكأنه خيانة للرفاق والضحايا. الثالثة : تصعيد الالتزام؛ فكلما زادت التضحيات، صعُب نفسيًا الاعتراف بأن المسار قد يكون غير كافٍ. الرابعة: الاعتياد على العجز السياسي؛ ليس بمعنى الاستسلام الكامل، بل بمعنى أن الخيال الاستراتيجي يضيق، فيستمر الناس في الفعل المألوف لأنه الوحيد الذي يعرفونه أخلاقيًا وتنظيميًا. الخامسة: تحويل الألم إلى معنى؛ إذ يصبح الصمود نفسه إنجازًا رمزيًا حتى لو غاب الإنجاز المؤسسيCambridge University Press & Assessment

لذلك فهذه الجماعة غالبًا لا تفكر بمنطق: “ما الأداة التي تغيّر ميزان القوة؟” بل بمنطق: “ما الأداة التي تُبقينا أوفياء لأنفسنا ولشهدائنا ولمظلوميّتنا؟”. هنا يتحول النضال من مشروع غاية إلى طقس استمرارية. الاحتجاج لم يعد فقط لإسقاط النظام، بل أيضًا لحماية الكرامة، وحفظ الرواية، ومنع التطبيع النفسي مع الذل. وهذا يفسر المفارقة التي ذكرتها : لا تستسلم، ولا تغيّر المسار.  فهي ليست جماعة فاقدة للإرادة، بل جماعة أصبحت إرادتها موجّهة إلى الثبات الأخلاقي أكثر من الفعالية السياسية. هذا استنتاج تفسره أبحاث الهوية الجمعية والقيم المقدسة والحركات الاجتماعية تحت القمعAnnual Reviews

ومن المهم هنا قول شيء قد يبدو عكسيًا: تمسّكهم بالسلمية ليس دائمًا غير عقلاني. الأدبيات المقارنة عن المقاومة المدنية وجدت تاريخيًا أن الحملات اللاعنفية نجحت بمعدل أعلى من الحملات العنيفة، لكن هذا لا يعني أنها تنجح دائمًا، ولا سيما في الأنظمة الشديدة الانغلاق. كما تشير الأدبيات الأحدث إلى أن هذه الأفضلية تراجعت مع تعلّم الأنظمة السلطوية أساليب أكثر تطورًا في المراقبة والقمع والاحتواء ومنع الانشقاقات داخل النخب والأجهزة الأمنية. وبعبارة أخرى: قد يكون أفراد الجماعة مؤمنين بأنهم ما زالوا على “أفضل مسار متاح” حتى لو كان هذا المسار يفشل محليًا كل مرة Journal of Democracy

سياسيًا-نفسيًا، سبب الفشل المتكرر غالبًا ليس “السلمية” في ذاتها، بل أن الحركة لا تنتج رافعة ضغط كافية. كثير من الأنظمة لا تسقط بالاحتجاج الأخلاقي وحده، بل حين تنقسم النخبة الحاكمة أو تتآكل طاعة الأجهزة أو تتعطل مفاصل الاقتصاد والإدارة على نطاق واسع. بعض الدراسات الحديثة تذكّر بأن معظم الديكتاتوريين تاريخيًا أزاحهم أهلُ السلطة أو الجيش أكثر مما أزاحهم الشارع وحده، كما أن فشل الحركات السلمية كثيرًا ما يرتبط بضعف تنوع أدوات اللاعنف المنظمة، مثل الإضرابات والمقاطعات والعصيان المؤسسي وبناء شبكات بديلة، لا بمجرد كثرة المظاهرات والتضحياتCambridge University Press & Assessment

أمثلة ذلك موجودة. في بيلاروسيا تكررت موجات الاحتجاج السلمي ضد حكم لوكاشينكا عبر سنوات، وبلغت ذروتها بعد انتخابات 2020 التي وُصفت بالمزوّرة، لكن النظام احتفظ بتماسك أجهزته الأمنية والعسكرية، فَقَمَع الحركة بعنف واسع ومنهجي. هنا نرى جماعة مدنية كبيرة، سلمية إلى حد بعيد، قادرة على الحشد والتضحية، لكنها عاجزة عن كسر ولاء أدوات القمعFreedom House

وفي هونغ كونغ أيضًا نرى نمطًا شبيهًا: احتجاجات واسعة في 2003 ثم 2014 ثم 2019، مع اعتماد كبير على الحشد المدني والسردية الأخلاقية، لكن بكين شددت قبضتها عبر قانون الأمن القومي في 30 يونيو 2020، ثم مرّر المجلس المحلي في مارس 2024 تشريع “المادة 23” الأمني، فصار المجال العام أضيق بكثير. المثال هنا يوضح كيف يمكن لجماعة شديدة الحيوية والمرونة أن تخسر سياسيًا لا لأنها بلا شجاعة، بل لأن الطرف المقابل يملك سيطرة سيادية ساحقة ويتعلم من كل موجة احتجاج كيف يغلق الثغرات التاليةCouncil on Foreign Relations

أما المثال الأكثر “نقائيًا” من حيث التزام السلمية طويل الأمد فهو الحركة التبتية المرتبطة بالدالاي لاما، حيث ارتبط خيار اللاعنف ارتباطًا وثيقًا بالمرجعية البوذية وبفكرة الرحمة والانضباط الروحي. الحركة حافظت على الهوية والرواية والقضية عالميًا لعقود، لكنها لم تنتزع تغييرًا سياسيًا جوهريًا من بكين. هذا نموذج مهم لأنه يبين أن السلمية قد تنجح في صون المعنى والهوية حتى لو أخفقت في تغيير ميزان السلطة Encyclopedia Britannica

وفي المقابل، ميانمار/بورما تقدّم مثالًا عكسيًا جزئيًا: احتجاجات 1988 وحركة 2007 السلمية تعرّضتا لقمع دموي، وبعد انقلاب 2021 اتجهت قطاعات من المعارضة إلى المقاومة المسلحة. هذا يبين أن بعض الجماعات لا تبقى سِلمية إلى الأبد، بل تغيّر المسار حين تقتنع أن اللاعنف لم يعد كافيًا. لذلك حين تصادف جماعة لا تغيّر المسار أبدًا، فغالبًا يكون السبب أعمق من الحساب السياسي المجرد: هوية مبدئية، أو عقيدة، أو خوف وجودي من التورط في الحرب الأهلية، أو مزيج من ذلك كلهEncyclopedia Britannica

نعم، الأسباب الأيديولوجية والدينية قد تكون حاسمة. في التقليد الغاندِي، وفي بعض تيارات المسيحية السياسية، وفي بعض المقاربات البوذية، وفي نماذج إسلامية معاصرة أيضًا، يوجد تصور يرى أن الوسيلة ليست أقل شأنًا من الغاية، وأن العنف يفسد المشروع حتى لو أوصله إلى الحكم. لهذا كان الدين في حركة الحقوق المدنية الأميركية مصدرًا فكريًا ومؤسسيًا وقياديًا للاعنف، ولهذا نجد أيضًا أدبيات معاصرة كاملة عن فلسفات اللاعنف في الفكر الإسلامي، مع شخصيات مثل عبد الغفار خان مثالًا بارزًا على مزج الإيمان والكرامة والانضباط وعدم حمل السلاح. في هذه البيئات يصبح العدول عن السلمية ليس مجرد “تغيير تكتيك” بل سقوطًا أخلاقيًا أو دينيًا في نظر الجماعة نفسهاOUP Academic

الخلاصة: هذه الجماعة ليست بالضرورة عاجزة عن الفهم، بل قد تكون أسيرة لثلاثة أشياء في آن واحد: أخلاقها، وذاكرتها، وبنيتها النفسية التنظيمية. أخلاقها تقول: لا نصير مثل المستبد. ذاكرتها تقول: لا نخون تضحيات من سبقوا. بنيتها النفسية تقول: نكرر ما نعرفه وما يمنحنا معنى، حتى لو كان لا يمنحنا نصرًا. لذلك تراها بارعة في التحمّل، عظيمة في الرمزية، لكنها ضعيفة في تحويل التضحية إلى رافعة تغيير.  وهذا أحد أكثر المآزق الإنسانية قسوة في العمل السياسي تحت الاستبداد .Cambridge University Press & Assessment

***

النموذج التحليلي: 10 سمات نفسية-سياسية

1)   تحوّل الوسيلة إلى هوية

في البداية تكون السلمية أداة. مع الزمن تصبح تعريفًا للذات:  نحن جماعة سلمية لا مجرد جماعة تريد التغيير. عند هذه النقطة، تغيير الوسيلة يبدو كأنه تغيير للهوية نفسها، لا مجرد مراجعة تكتيكية. أدبيات الحركات الاجتماعية تصف هذا من خلال مفهوم الهوية الجمعية؛ فالناس لا ينضمون فقط لمطلب، بل لهوية مشتركة وحدود أخلاقية مشتركةAnnual Reviews

2)   تقديس القيمة الأخلاقية

حين تصبح السلمية أو “طهارة الوسيلةقيمة مقدسة، يتراجع حساب الربح والخسارة العادي. هنا لا يفكرون: “هل هذا ينجح؟” بقدر ما يفكرون: “هل هذا صحيح أخلاقيًا؟”. أبحاث sacred values  تشرح كيف أن بعض القضايا والقيم تخرج من منطق المساومة الأداتية وتصبح فوق الحساب النفعي المباشر PNAS

3)   تصعيد الالتزام بسبب التضحيات

كلما زادت السجون والقتل والمنفى والحرمان، صار من الأصعب نفسيًا الاعتراف بأن المسار قد يكون غير كافٍ. هنا يظهر ما يشبه تصعيد الالتزام: “ لا يمكن أن تكون كل هذه التضحيات ذهبت في مسار يحتاج مراجعة جذرية”. هذا ليس غباءً؛ بل آلية نفسية معروفة تجعل الاستثمار السابق يدفع إلى الاستمرار بدل إعادة التقييم ResearchGate

4)   الوفاء للموتى والضحايا يمنع المراجعة

في جماعات القمع الطويل، تتحول الذاكرة إلى سلطة. المراجعة لا تُرى بوصفها اجتهادًا، بل قد تُرى كخيانة لدماء الضحايا أو لتاريخ السجناء والمنفيين. وهكذا تصير الذاكرة عاملَ تثبيت، لا فقط عاملَ تعبئة. هذا متصل أيضًا ببناء الهوية الجمعية حول المعاناة المشتركة والتضامن الرمزي Annual Reviews

5)   الخلط بين الصمود والفاعلية

تبدأ الجماعة في قياس النجاح بقدرتها على التحمل لا بقدرتها على تغيير ميزان القوة. فتقول ضمنيًا: “ما دمنا لم ننكسر فنحن ننتصر أخلاقيًا”. هذا يمنح معنى عظيمًا، لكنه قد يحجب السؤال الأصعب: هل نحن نراكم قدرة ضغط فعلية أم فقط نراكم بطولات؟ أدبيات المقاومة المدنية تفرّق بوضوح بين التعبئة والمرونة وبين الرافعة/الضغط (leverage)Sage Journals

6)   ضيق الخيال الاستراتيجي تحت القمع

القمع الطويل لا يسحق الأجساد فقط؛ بل يضيّق الخيال. فتصبح الجماعة قادرة على تكرار الأشكال المألوفة من الاحتجاج، لكنها أقل قدرة على تخيّل مسارات جديدة: عصيان مؤسسي، اختراق اجتماعي، بناء مؤسسات بديلة، إرباك اقتصادي، أو تفكيك ولاءات داخل أجهزة النظام. هنا لا يوجد استسلام، بل تكرار محدود الخيالJournal of Democracy

7)   الاعتماد المفرط على “المشهد الاحتجاجي

بعض الحركات تصبح ممتازة في المظاهرة والبيان والرمز والصورة، لكنها أضعف في بناء الشبكات العميقة والتنظيم المتراكم والقدرة على فرض تكاليف على النظام. ولهذا تتعلم الأنظمة المستبدة كيف تحتوي هذا النمط: قمع انتقائي، إنهاك، مراقبة، اعتقالات مركزة، وتفكيك القيادات. هذا أحد أسباب تراجع معدلات نجاح الحملات اللاعنفية في السنوات الأحدث مقارنةً بفترات سابقةJournal of Democracy

8)   الخوف الوجودي من البديل الأسوأ

أحيانًا لا تتمسك الجماعة بالسلمية فقط حبًا فيها، بل خوفًا مما بعدها: حرب أهلية، عسكرة المجتمع، انهيار الدولة، أو انقلاب أخلاقي يجعلها تشبه خصمها. لذلك ترفض المسارات الأخرى لا لأنها لا تراها، بل لأنها تراها كارثية الوجاهة. هذا شائع خصوصًا حين تكون بيئتها الإقليمية مليئة بأمثلة الانهيار الدموي. هذا استنتاج تدعمه أيضًا الأدبيات التي تبيّن أن مصير الاحتجاجات يرتبط كثيرًا بولاء الجيش وبنية النظام، لا فقط بصدق المحتجينJournal of Democracy

9)   شخصنة الصراع أخلاقيًا بدل بنيويًا

ترى الجماعة المشكلة بوصفها “شرّ الحاكم” أكثر من كونها “بنية حكم، وأجهزة قمع، وشبكات مصالح، وآليات ولاء”. لذلك تكرر مخاطبة الضمير العام والعدالة الأخلاقية، بينما لا تكفي هذه اللغة وحدها لكسر أنظمة شديدة الشخصنة والضبط الأمني. الأبحاث عن الأنظمة الشخصانية توضّح أن الاحتجاجات كثيرًا ما تفشل حين تبقى الأجهزة الأمنية شديدة الولاء ومندمجة في مصير الحاكم Cambridge University Press & Assessment

10)  فصل “النصر الأخلاقي” عن “النصر السياسي

وهذه هي السمة الجامعة. الجماعة ترفض الاستسلام، لكنها أيضًا لا تراجع المسار، لأنها حققت لنفسها نوعًا من الانتصار البديل: الشهادة، حفظ الكرامة، إبقاء الرواية حيّة، ومنع التطبيع مع الظلم. هذا نصر حقيقي على مستوى المعنى، لكنه ليس بالضرورة نصرًا على مستوى السلطة. لذلك تبدو الجماعة قوية جدًا في الاستمرار وضعيفة نسبيًا في التحويل السياسيAnnual Reviews

أيديولوجيًا، حتى من دون دين:

قد تدفعهم أيضًا عقائد مثل:

·            الطهورية الأخلاقية : الوسيلة يجب أن تبقى “نظيفة” مهما كانت النتائج.

·            الشرعية القانونية : قناعة بأن أي خروج عن المسار السلمي يهدم مشروعية القضية.

·            الخوف من العسكرة : لأن العنف قد يعيد إنتاج الاستبداد داخل المعارضة نفسها.

·            الاعتماد على الاعتراف الدولي:  بعض الحركات تبني شرعيتها الخارجية على كونها ضحية سلمية.

·            الثقافة الطبقية أو المهنية للحركة:  النخب المهنية والحقوقية تميل غالبًا إلى أدوات مدنية وقانونية أكثر من ميلها لمسارات أخرى.

هذه العوامل ليست كلها موثقة في كل حالة بعينها، لكنها تظهر باستمرار في أدبيات المقاومة المدنية والحركات الاجتماعية بوصفها محددات لاختيار الوسائل واستمرارهاOUP Academic

الخلاصة المركزة

هذه الجماعة غالبًا ليست:

·            جبانة،

·            ولا غبية،

·            ولا مستسلمة.

هي في كثير من الأحيان جماعة شديدة الاحتمال، عالية الأخلاق، ضعيفة المراجعة الاستراتيجية.
تملك فضيلة نادرة: ألا تنكسر.

لكنها تعاني مأزقًا قاسيًا: أن الصمود قد يتحول عندها من وسيلة إلى غاية، وأن السلمية قد تتحول من استراتيجية قابلة للتقييم إلى عقيدة غير قابلة للمراجعة.

لهذا تتكرر الدائرة:

1.        أمل أخلاقي كبير،

2.        تضحيات هائلة،

3.        قمع شديد،

4.        فشل سياسي،

5.        إعادة تفسير الفشل بوصفه “شهادة” أو “مرحلة،

6.        ثم العودة إلى النقطة الأولى.

والسبب الأعمق غالبًا هو هذا:

هم لا يريدون فقط إسقاط المستبد؛ بل يريدون ألّا يصبحوا مثله.

وهنا تكمن عظمتهم، وهنا أيضًا يكمن مأزقهم.

***

إليك  تصنيف لأنواع هذه الجماعات، مثل: الجماعة الشهادية، الجماعة الأخلاقية-القانونية، الجماعة الدينية اللاعنفية، والجماعة الاحتجاجية الرمزية.

نعم. والأدق هنا أن نقدّم تصنيفًا لأنماط هذه الجماعات لا باعتبارها أمراضًا نفسية، بل باعتبارها أنماطًا اجتماعية-نفسية . والحركة الواحدة قد تجمع أكثر من نمط في الوقت نفسه. كما أن الفرق بين اللاعنف المبدئي واللاعنف الاستراتيجي مهم جدًا: الأول يراه التزامًا أخلاقيًا، والثاني يراه أداة فعّالة في ظرف معيّن. كثير من الجماعات التي وصفتها تبدأ بالثاني ثم تنتهي إلى الأول OUP Academic

 1) الجماعة الشهادية الأخلاقية

هذه الجماعة لا تقيس النجاح أولًا بمدى تغيّر ميزان القوة، بل بمدى ثباتها الأخلاقي تحت القمع. أهم جملة داخلها تكون من نوع: المهم ألا نتلوّث، وألا نصير مثلهم.  هنا تصبح التضحية نفسها شهادة على الحق، ويصبح الفشل السياسي قابلًا لإعادة التأويل بوصفه نصرًا أخلاقيًا. هذا النمط يرتبط عادةً بما تسميه الأدبيات القيم المقدسة؛ أي القيم التي تخرج من منطق الربح والخسارة العادي ولا تُقاس حسابيًا PNAS

علامته النفسية:  قدرة عالية على التحمّل، مع ضعف نسبي في مراجعة الوسائل.

قوته:  صلابة معنوية نادرة.

مأزقه:  قد يحوّل الألم إلى هوية دائمة بدل تحويله إلى رافعة تغيير.

مثال قريب : الحالة التبتية؛ إذ ارتبطت القضية لزمن طويل بقيادة روحية بوذية والتزام واضح باللاعنف، ما حفظ المعنى والهوية أكثر مما غيّر بنية السلطة المقابلةEncyclopedia Britannica

 2) الجماعة الأخلاقية-القانونية

هذه تؤمن بأن الشرعية هي السلاح الأقوى: التوثيق، الفضح، الخطاب الدستوري، مخاطبة الرأي العام، الحقوق، القانون، والضغط الدولي. هي لا ترى نفسها مجرد معارضة، بل حارسًا للمعيار.  من الداخل النفسي، أفرادها يميلون إلى الاعتقاد أن الانضباط والشرعية سيؤديان في النهاية إلى انكشاف النظام أخلاقيًا وسياسيًا. هذا النمط قريب من حركات ترى أن اللاعنف ليس فقط أنبل، بل أيضًا أكثر قدرة على كسب المترددين وتفكيك شرعية الخصمUnited States Institute of Peace

علامته النفسية : ثقة كبيرة في الشرعية والرمزية القانونية.

قوته : يكسب التعاطف ويقلّل كلفة الانضمام للحركة.

مأزقه: في الأنظمة المغلقة جدًا قد لا تكفي الشرعية وحدها ما لم تتحول إلى ضغط منظم على “أعمدة الدعم: البيروقراطية، الاقتصاد، الإعلام، والأمنUnited States Institute of Peace

 3) الجماعة الدينية اللاعنفية

هنا لا تكون السلمية مجرد خيار سياسي، بل جزءًا من التكليف الأخلاقي أو الروحي . الدين يعطيها ثلاثة أشياء معًا: معنى للتضحية، وضبطًا للنفس، وشبكة اجتماعية تنظّم الصبر والاستمرار. في المقابل، الدين قد يجعل العدول عن السلمية يبدو سقوطًا أخلاقيًا لا مجرد تبديل تكتيك. لهذا كان للخطاب الديني دور مركزي في فلسفة اللاعنف عند مارتن لوثر كينغ، كما لعب الالتزام البوذي دورًا مشابهًا في الحالة التبتية OUP Academic

علامته النفسية : الصبر الطويل، وتحمّل الكلفة بوصفها ذات معنى.

قوته:  تماسك عالٍ، وقدرة على الاستمرار عبر الأجيال.

مأزقه:  قد تتحول الوسيلة إلى عقيدة مغلقة غير قابلة للمراجعة.

أمثلة:  حركة الحقوق المدنية الأميركية في طورها الكينغي، والحركة التبتية في إطارها الروحي-السياسيOUP Academic

 4) الجماعة الاحتجاجية الرمزية

هذه بارعة في المظاهرات، الشعارات، الصور، الأغاني، الجنائز، البيانات، واللحظات الرمزية الكبرى. هي قوية جدًا في إنتاج المشهد، لكن ليس بالضرورة في إنتاج الرافعة. أي أنها قد تعبّئ الناس، لكنها لا تنجح دائمًا في فرض تكلفة مؤسسية على النظام أو في شقّ ولاءات داخل النخبة أو الأجهزة. الأدبيات الحديثة عن المقاومة المدنية تشير إلى أن مجرد الحشد لا يكفي؛ النجاح يرتبط أيضًا بتنوع الأدوات، واستهداف أعمدة الدعم، والتكيّف مع القمع المعاصر وخصوصًا السلطوية الرقمية United States Institute of Peace

علامته النفسية:  الإيمان بأن “إظهار الحقيقة” سيكسر النظام.

قوته : يبقي القضية حيّة ومفهومة جماهيريًا.

مأزقه:  يمكن للنظام أن يتعلم كيف يحتوي المشهد ويُبقيه غير مُكلف.

أمثلة تقريبية:  نمط من الاحتجاجات في هونغ كونغ، أو بعض موجات الاحتجاج المدني في بيلاروسيا، حيث وُجد حشد وشجاعة، لكن ظلّ جهاز القمع متماسكًاCouncil on Foreign Relations

5)  الجماعة الهوياتية-الذاكرية

هذه الجماعة تبني نفسها على الذاكرة: السجون، القتلى، المنفى، الخيبات، الأسماء، التواريخ. هنا لا تعود الحركة مجرد تنظيم، بل تصبح عائلة رمزية . وتشرح أبحاث الهوية الجمعية كيف يمكن للهوية المشتركة أن ترفع التجنيد والانضباط والاستمرار، لكنها أيضًا قد تجعل المراجعة مؤلمة؛ لأن تغيير المسار قد يُفهم بوصفه خيانة للضحايا أو تنكّرًا للتاريخ Annual Reviews

علامته النفسية:  ولاء شديد للذاكرة والرفاق.

قوته:  تماسك ومناعة ضد التفكك السريع.

مأزقه:  الميل إلى تكرار الأساليب الموروثة حتى حين تتغير البيئة بالكامل.

في هذا النمط لا يكون السؤال: “ما الذي ينجح الآن؟” بل “ما الذي يظل وفيًا لمن سقطوا قبلنا. Annual Reviews

6)  الجماعة الاستراتيجية الجامدة

هذا نوع مهم جدًا، لأنه يبدو من الخارج عقلانيًا لكنه في العمق صار جامدًا. هذه الجماعة بدأت أصلًا على أساس أن اللاعنف هو الوسيلة الأذكى، لا الأقدس. لكنها مع الزمن، ومع تراكم التضحيات، تتحول إلى جماعة غير قادرة على تغيير الأدوات أو توسيعها، رغم أنها ما تزال تتكلم بلغة “الاستراتيجية”. هنا يحصل نوع من التجمّد المعرفي : تكرار الأدوات نفسها، والأمل بأن النظام سيتغيّر هذه المرة لأسباب لم تتغيّر فعليًا. الأدبيات المعاصرة عن المقاومة المدنية تؤكد أن الأنظمة الاستبدادية تعلّمت كثيرًا، خصوصًا في البيئة الرقمية، ما يجعل التكرار غير المبتكر أقل جدوى من السابقOUP Academic

علامته النفسية : لغة استراتيجية، لكن خيال تكتيكي محدود.

قوته:  انضباط وتنظيم نسبي.

مأزقه:  يكرر الوسيلة نفسها باسم الواقعية، رغم تغيّر شروط الصراع.

كيف تميّز بينها سريعًا؟

إذا كانت الجماعة تقول : المهم أن نبقى أنقياء، فهي أقرب إلى الشهادية الأخلاقية.

إذا كانت تقول:  الشرعية والقانون سيهزمانهم، فهي أقرب إلى الأخلاقية-القانونية.

إذا كانت تقول : هذا واجب ديني أو روحي، فهي دينية لاعنفية.

إذا كانت تقول : المشهد الجماهيري وحده سيكفي، فهي احتجاجية رمزية.

إذا كانت تقول:  لا يجوز أن نخون تاريخ الضحايا، فهي هوياتية-ذاكرية.

إذا كانت تقول:  خيارنا استراتيجي لكنها لا تغيّر شيئًا في أدواتها، فهي استراتيجية جامدة. وهذه الأنماط ليست صناديق منفصلة؛ الحركة الواحدة قد تكون دينية، وشهادية، وهوياتية، في الوقت نفسهOUP Academic

أين يقع العامل الأيديولوجي أو الديني؟

العامل الأيديولوجي أو الديني لا يخلق هذه الجماعات من الصفر فقط، بل يثبّت نمطها النفسي. فهو يفعل أربعة أشياء: يقدّس القيمة، ويمنح معنى للألم، ويحوّل الصبر إلى فضيلة، ويجعل الانحراف عن المسار يبدو خيانة. وهذا لا يقتصر على الدين؛ فحتى الأيديولوجيات العلمانية قد تفعل الشيء نفسه حين تقدّس “الشرعية”، أو “النقاء الثوري”، أو “السلمية المطلقة”، أو “التاريخ”. لذلك يمكن أن ترى جماعة غير دينية لكنها تعمل نفسيًا بطريقة دينية تقريبًا: لديها نصوصها المؤسسة، شهداؤها، طقوسها، محرماتها، ولغتها الأخلاقية المغلقةPNAS

الخلاصة الأهم

أغلب الجماعات التي وصفتها ليست عاجزة عن الفهم، بل عالقة في معادلة قاسية:
كلما زادت أخلاقيتها، قلّ استعدادها لمراجعة وسيلتها.

وكلما طالت تضحياتها، صار التراجع عن المسار أصعب نفسيًا.

ولهذا قد تبقى شديدة الشجاعة، شديدة الاحتمال، وشديدة الإخلاص، لكنها ضعيفة في تحويل هذه الفضائل إلى تغيّر سياسي فعلي. هذا لا ينفي نبلها؛ لكنه يفسّر لماذا تتكرر الحلقة: تضحية، قمع، فشل، إعادة تفسير، ثم تكرارAnnual Reviews

***

أستطيع أن أطبّق النموذج نفسه الآن على حالة مصرية أو سورية، مع بيان الفروق الدقيقة بين السلمية المبدئية والسلمية الاضطرارية في كل حالة.

الخلاصة المسبقة:

الوصف الذي طرحته ينطبق على مصر بدرجة أكبر وعلى سوريا بدرجة أقل؛ لأن الحالة السورية خرجت مبكرًا من السلمية إلى العسكرة، بينما وصفك الأصلي كان عن جماعة تصرّ على السلمية رغم الفشل المتكررFreedom House

 1) مصر: أقرب حالة عربية إلى وصفك

إذا أخذنا التيار المدني-الحقوقي-الشبابي في مصر، من كفاية إلى 6 أبريل إلى قطاعات من الحركة المدنية بعد 2013، فهذه حالة قريبة جدًا من النموذج الذي بنيناه. حركة 6 أبريل نشأت أصلًا عام 2008 لدعم إضراب المحلة، ثم لعبت دورًا مهمًا في تعبئة 25 يناير، وبعد ذلك حُظرت رسميًا في 2014، بينما واصلت السلطة تضييقها على المجتمع المدني والمعارضة. وحتى في السنوات الأخيرة، وصفت Freedom House المعارضة السياسية ذات المعنى بأنها شبه منعدمة، واعتبرت أن “الحوار الوطني” لم يُنتج إصلاحات مهمة Carnegie Endowment

القراءة النفسية هنا:

هذه ليست جماعة شهادية دينية بالدرجة الأولى، بل جماعة أخلاقية-قانونية واحتجاجية-رمزية. هي تؤمن بأن الشرعية، والشارع، والفضح، والصمود المدني، واللغة الحقوقية، كلها كافية أو يجب أن تكون كافية لكشف عري النظام وعزله أخلاقيًا. لذلك ظلت متمسكة بفكرة:  نحافظ على نظافة الوسيلة، وعلى المجال المدني، وعلى صورة الضحية النبيلة.  في تقديري، هذا جعلها قوية في الاعتراض وضعيفة في بناء رافعة قسر سياسي.  استنتاجي هنا مبني على طبيعة هذه الحركات كما ظهرت في التعبئة السلمية، ثم الحظر، ثم تضييق المجال العام لا على وجود بنية مسلحة أو مشروع بديل منظم Carnegie Endowment

لماذا استمرت في تكرار المسار نفسه؟

في مصر، أرى أربعة أسباب نفسية-اجتماعية رئيسية. أولًا، الانتماء الطبقي والثقافي لجزء كبير من هذا التيار: حضري، مهني، حقوقي، شبابي، فيميل تلقائيًا إلى أدوات الاحتجاج المدني لا إلى العمل المسلح. ثانيًا، الخوف من الفوضى الأهلية ومن أن أي خروج من السلمية سيؤدي إلى سحق أوسع أو إلى فقدان الشرعية. ثالثًا، التعلق بلحظة 25 يناير نفسها بوصفها دليلًا نفسيًا على أن السلمية يمكن أن تنجح، حتى لو تغيّر السياق جذريًا بعد ذلك. رابعًا، تحول القمع إلى ذاكرة مؤسسة : السجون والمنع والحظر جعلت الاستمرار في الخط نفسه يبدو وفاءً للمعتقلين ولـ“معنى يناير”. هذا جزء تحليلي استنتاجي، لكنه منسجم مع الوقائع: حركات مدنية شبابية قادت التعبئة، ثم حُظرت أو ضُيّق عليها، بينما تقلصت المعارضة المؤسسية إلى حد بعيدReuters

هل السبب ديني أو أيديولوجي؟

في مصر، العامل الأيديولوجي أقوى من العامل الديني في هذه الشريحة تحديدًا. الأيديولوجيا هنا ليست عقيدة حزبية ضيقة، بل مزيج من: تقديس الشرعية، الإيمان بالمجال العام، رفض العنف، والخوف من أن العنف سيعيد إنتاج دولة أمنية أشد. لذلك أقول: الحالة المصرية أقرب إلى اللاعنف الهوياتي المدني، لا إلى اللاعنف الديني الصرف Carnegie Endowment

2)  سوريا: حالة معاكسة جزئيًا

سوريا مهمة هنا لأنها تكسر النموذج الذي وصفته. الاحتجاجات بدأت فعلًا سلمية في مارس 2011، وواجهها النظام بعنف مبكر، ثم تصاعد القمع سريعًا، وتشير Britannica إلى أن الحركة الاحتجاجية تحولت بحلول سبتمبر 2011 إلى تمرد مسلح. كما وثقت HRW إطلاق النار على متظاهرين سلميين منذ الأيام الأولى، ووثقت القتل واسع النطاق في حمص لاحقًاHuman Rights Watch

القراءة النفسية هنا:

المعارضة السورية في بدايتها كانت فعلًا أقرب إلى جماعة احتجاجية رمزية وأخلاقية-قانونية، لكنها لم تبقَ هناك. الذي حدث نفسيًا هو العكس تقريبًا: لم تتشكل جماعة عالقة إلى الأبد في السلمية، بل تشكلت جماعة فقدت الثقة في جدوى السلمية بسرعة تحت أثر المجزرة والقمع والانسداد الكامل. لذلك فإن الحالة السورية لا تمثل جماعة “تستمر سلميًا وتفشل وتكرر”، بل جماعة “بدأت سلميًا ثم اعتبرت أن السلمية وحدها تعني الموت بلا أفق”. هذا استنتاج تحليلي، لكنه يستند إلى حقيقة التحول المبكر من الاحتجاج السلمي إلى التمرد المسلحEncyclopedia Britannica

هل كان للعامل الديني أو الأيديولوجي دور؟

نعم، لكن ليس في تثبيت السلمية؛ بل لاحقًا في تفكك المشهد وتعدد مرجعياته . لذلك سوريا ليست المثال الأنسب لسؤالك الأصلي. سؤالك كان عن جماعة لا تغيّر الوسيلة رغم الفشل. سوريا بالعكس تُظهر ماذا يحدث حين ينهار الإيمان بالسلميةEncyclopedia Britannica

***

أين العامل الديني أو الأيديولوجي؟

في مصر العامل الأيديولوجي المدني-الحقوقي هو الأوضح: الشرعية، المجال العام، رفض العنف، والخوف من تكرار الدولة الأمنية في صورة أخرىCarnegie Endowment

في سوريا العامل الحاسم لم يكن تقديس السلمية، بل انهيارها تحت وطأة القمع؛ ولهذا تحولت البنية النفسية من “الاحتجاج الأخلاقي” إلى “البقاء والدفاع المسلح Human Rights Watch

الحكم النهائي

إذا أردت الجواب المباشر جدًا:

·            مصر: أقرب مثال عربي على الجماعة التي تكرر السلمية وتكرر الفشل من دون مراجعة جذرية.

·            سوريا: ليست مثالًا مطابقًا؛ لأنها غيّرت المسار سريعًا من السلمي إلى المسلحFreedom House

وأعمق خلاصة نفسية هنا هي هذه:

حين تصبح السلمية جزءًا من هوية الجماعة وكرامتها وذاكرتها، فإنها قد تستمر فيها حتى بعد أن تتآكل فعاليتها.

أما حين تنهار الثقة في هذه السلمية مبكرًا، كما في سوريا، فإن الجماعة لا تعود من النوع الذي وصفته أصلًاHuman Rights Watch

***

أستطيع أن أذهب خطوة أبعد الآن، وأقدّم لك مقارنة نفسية دقيقة بين الإخوان في مصر، والمعارضة المدنية السورية المبكرة من زاوية: الهوية، الشهادة، الذاكرة، والخيال الاستراتيجي.

نعم. وهذه المقارنة، في تقديري، تكشف فرقًا مهمًا بين بنى نفسية-سياسية مختلفة : الإخوان في مصر كانوا أقرب إلى هوية تنظيمية-دعوية منضبطة؛ المعارضة المدنية السورية المبكرة كانت أقرب إلى هوية ثورية-مدنية شبكية؛ هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل تفسير لنوع “العقل الجمعي” الذي يحدد كيف تفهم كل جماعة الألم، والشرعية، وحدود الوسيلة. وفكرة الهوية الجمعية هنا أساسية، لأن الحركات لا تتحرك فقط بالمصلحة، بل أيضًا بالانتماء، والذاكرة، والمعنى المشتركAnnual Reviews

من حيث الهوية:

الإخوان في مصر، كما تصفهم أدبيات كارنيغي، تشكلوا تاريخيًا كحركة إصلاحية تدريجية ذات انضباط تنظيمي، وتبنّوا علنًا خطاب اللاعنف والمشاركة الديمقراطية، حتى مع وجود نقاشات داخلية لاحقًا حول حدود هذا الالتزام بعد 2013. لذلك كانت هويتهم الأساسية: نحن تنظيم إصلاحي طويل النفس أكثر من نحن ثورة مفتوحة. هذا يجعلهم نفسيًا أميل إلى الصبر التنظيمي، والالتزام بالشرعية، وصعوبة القفز إلى مسارات غير منضبطة، حتى عندما يبدو أن المسار نفسه مسدود .Carnegie Endowment

أما المعارضة المدنية السورية في 2011 فهويتها الأولى كانت مختلفة: محلية، شبكية، مدنية، أقل هرمية. فقد برزت لجان التنسيق المحلية لتنظيم الاحتجاجات، ثم تحولت في بعض المناطق إلى أدوار خدمية وإدارية، بينما كان النشطاء المدنيون في صدارة الاحتجاجات السلمية قبل استهدافهم لاحقًا من النظام وأحيانًا من قوى معارضة مسلحة أيضًا. لهذا كانت هوية هذا التيار:  ثورة مجتمع ضد دولة أكثر من تنظيم دعوي أو حزبي يحافظ على ذاته . نفسيًا، هذا يمنحه مرونة وتلقائية أكبر، لكنه يجعله أقل تماسكًا أمام القمع الطويل وأضعف في حماية مركزه المدني حين تبدأ العسكرة Council on Foreign Relations

من حيث الشهادة والتضحية:

عند الإخوان في مصر، خصوصًا بعد رابعة والقمع الواسع، أصبحت التضحية تحمل طابعًا تنظيميًا-أخلاقيًا:  السجون، القتل، تجميد الأصول، حل الحزب، وملاحقة القيادة عززت سردية المظلومية والصمود، لكن داخل إطار جماعة تريد أيضًا الحفاظ على صورتها كحركة غير متطرفة. لذلك “الشهادة” هنا لم تكن قومية-وجودية بالدرجة الأولى، بل برهانًا على ظلم الدولة ووفاء التنظيم.  وفي الوقت نفسه، أحدث هذا القمع نقاشًا داخليًا حادًا حول ما إذا كان اللاعنف مبدأً أم تكتيكًا، من دون أن يتحول هذا الجدل إلى إجماع تنظيمي على مسار آخرCarnegie Endowment

في سوريا، الشهادة ظهرت بسرعة شديدة، لكن أثرها النفسي كان مختلفًا: لم تُثبّت السلمية بقدر ما عجّلت بانهيار الثقة فيها. هيومن رايتس ووتش وثّقت قمع المظاهرات السلمية منذ مارس 2011، وبريتانيكا تذكر أن الاحتجاجات السلمية تحولت إلى تمرد مسلح بحلول سبتمبر 2011. لذلك فـ“الشهيد” في الوجدان السوري المبكر لم يصبح فقط رمزًا أخلاقيًا للصمود، بل صار أيضًا حجة نفسية على أن البقاء في السلمية وحدها يعني الذبح بلا أفق. هنا تتحول الشهادة من طاقة تثبيت إلى طاقة دفع نحو الدفاع المسلحHuman Rights Watch

من حيث الذاكرة:

ذاكرة الإخوان في مصر هي، بالأساس، ذاكرة تنظيمية متصلة : قمع الخمسينيات والستينيات، ثم القمع غير المسبوق بعد 2013. هذا النوع من الذاكرة يصنع ولاءً داخليًا قويًا، لكنه يخلق أيضًا ما يمكن تسميته نفسيًا واجب الوفاء للمحنة؛ أي أن الاعتراف بفشل المسار أو الحاجة إلى مراجعة جذرية يصبح صعبًا، لأن الجماعة لا تقرأ نفسها فقط كفاعل سياسي، بل كسلسلة مستمرة من الابتلاء والصمود. لذلك تكون الذاكرة هنا عنصر تماسك، ولكنها أيضًا عنصر جمود. هذا استنتاج تفسيري تدعمه معطيات القمع المتكرر والجدل الداخلي حول العنف واللاعنفCarnegie Endowment

في سوريا، الذاكرة المبكرة كانت أقصر زمنًا لكنها أشد انفجارًا: ذاكرة المظاهرة السلمية التي قوبلت بالرصاص، ثم الجنازات التي تحولت إلى احتجاجات، ثم المدن التي دخلتها الدبابات سريعًا. هذه الذاكرة لم تنتج صبرًا طويلًا على النمط المصري، بل أنتجت فقدانًا سريعًا للثقة في أن النظام يمكن كسره أخلاقيًا فقط. لذلك كانت الذاكرة السورية المبكرة ذاكرة قطيعة أكثر من كونها ذاكرة صمود طويل النفس Human Rights Watch

من حيث الخيال الاستراتيجي:

الإخوان، في تقديري، كانوا الأضيق خيالًا في هذه النقطة تحديدًا، لا من حيث القدرة الفكرية، بل من حيث قيد البنية التنظيمية. فبعد 2013 ظهر انقسام بين من تشبثوا باللاعنف وبين من دفعوا نحو “اللاعنف المؤلم” أو أشكال أشد من المواجهة، لكن الحركة لم تنتج استراتيجية جديدة مقنعة تتجاوز ثنائية: انتظار استعادة الشرعية أو التصعيد غير المحسوم. وهكذا بقيت عالقة بين هوية إصلاحية قديمة وبيئة سياسية لم تعد تسمح بالإصلاح التدريجيCarnegie Endowment

المعارضة المدنية السورية كانت، بالعكس، أكثر ابتكارًا في البداية: لجان محلية، تنسيق أفقي، إعلام ميداني، ثم محاولات إدارة محلية وخدمات. لكن هذا الخيال المدني لم يُمنح وقتًا تاريخيًا كافيًا للنضج، لأن القمع المبكر والعسكرة اللاحقة والتمويل الخارجي للفصائل المسلحة أزاحته من المركز. لذلك ليست مشكلتها الأساسية أنها كررت السلمية رغم الفشل، بل أنها فقدت مركزها السلمي بسرعة. وهذا فرق جوهري عن الحالة المصرية Council on Foreign Relations

الخلاصة النهائية:

إذا قارنا الحالات على المحاور الأربعة التي طلبتها، فالإخوان في مصر هم الأقرب إلى نموذج الجماعة التي تحوّل الصبر والشرعية والهوية التنظيمية إلى دائرة تكرار؛ والمعارضة المدنية السورية المبكرة أقرب إلى نموذج السلمية التي انكسرت قبل أن تتحول إلى عقيدة ثابتة؛

لذلك:  مصر = هوية تنظيمية وشهادة أخلاقية وذاكرة جماعية تُنتج جمودًا نسبيًا.

سوريا = هوية ثورية مدنية لكن ذاكرة القتل عجّلت بكسر السلمية،Carnegie Endowment

***