17‏/10‏/2016

معالم في الفكر الإسلامي

أولاً/ الربانية: ومعناها قيام الفكر على أسس ربانية في التصور الإسلامي نحو الله سبحانه، والكون، والحياة، والإنسان بما قرره الإسلام عن ذلك، ولهذا فهو فكر يمكن أن نطلق عليه "روحي - مادي"، يتوافق مع طبيعة التكوين الإنساني الذي يتكون من روح وجسد، ولهذا يكون وحده هو الفكر المستقيم الذي يُلبي حاجات الإنسان الروحية والمادية في آن واحد، فلا هو فكر مادي فقط قائم على تحقيق المتاع الحسي المجرد من القيم، ولا هو فكر روحي قائم فقط على تحقيق قيم في عالم الخيال أو في صوامع الرهبان.
ثانياً/ التوحيد: توحيد الخالق فهو مدبر كل الأمور، وتوحيد مصدر التلقي وهو الوحي الرباني، وتوحيد الإنسان وعقله بتفرّده في الخلق والأمانة والرسالة وليس من فصيلة "الحيوانات"، وتوحيد الهدف وهو سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وتوحيد الوسائل وهو اتباع المنهج الرباني بصورة حقيقية.
ثالثاً/ العالمية: ولأن الإسلام رسالة عالمية، وشريعة ربانية لكل البشر، ولأن الله سبحانه جعل الأمة الإسلامية هي الأمة الشاهدة والمُعلمة.. وهي التي عليها أن تخرج البشرية من مستنقعات التيه ووحل الظلام، لذا فالفكر الإسلامي عالمي التوجه.. "موضوعه" الإنسان، و"هدفه" تحرير الإنسان من العبودية لغير الله في أي صورة من الصور.. سواء أكانت في الاعتقاد والتصور أو في الشعيرة والنسك أو في الحكم ونظم الحياة. وبالتالي فهو لا يقف عن حدود الأرض، أو الجنس أو اللون أو اللغة أو القوم وعلى اطلاع بكل المناهج والتصورات الأرضية، وكذا كل الثقافات والديانات.. ليعرف كيف يفهمها فهماً صحيحاً، ويزنها بميزان الإسلام، ثم ينطلق يُوجه ويُعلم ويُرشد.. إلى صراط الله المستقيم.
رابعاً/ الشمولية: ولأن الإسلام يتناول كل مناشط الحياة سواء أكانت سياسية، اقتصادية، أخلاقية، قيمية، ثقافية، اجتماعية، دولية، حربية...إلخ، ولأن شرع الله يعني: كل ما شرّعه الله لتنظيم الحياة البشرية، لذا فهو فكر شامل يتناول كل ما في الحياة، ولا يغفل جانب، ولا يطغى فيه جانب على آخر، ويعالج الحياة بهذه الشمولية المتكاملة، لأنها في واقع الحياة غير منفصلة على الحقيقة، بل هو انفصال للدراسة والبحث، لكن في الحياة نجد لا انفصال في السياسة عن الاقتصاد عن الأخلاق عن الاجتماع عن منظومة القيم.. كلها يتفاعل بعضها مع بعض، وكل منها يؤثر في الآخر.. لذا فالشمولية في الفكر الإسلامي تتوافق مع طبيعة الحياة المتنوعة، ولا يمكن أن يتغاضى عن أي جانب فيها.
خامساً/ التوازن: وهو فكر عندما يتناول الحياة روحياً ومادياً بكل ما فيها.. يحرص على التوازن الدقيق بين رغبات الإنسان الفطرية، وبين نمو الحياة الطبيعي.. ولا يحصر نفسه في جانب دون آخر، فلا يكون فكر سياسي أو اقتصادي بلا منظومة أخلاقية قيمية، ولا تكون هناك منظومة أخلاقية بلا واقع سياسي اجتماعي اقتصادي.. فالإسلام هو الفكرة الوحيدة والمنهج الوحيد المتوازن في هذا الوجود.. لأنه منهج رباني، وضعه إله عليم بما خلق.. سبحانه. بل إن الفكر متوازن حتى داخل المجال الواحد، ثم يربط الفكر كل مجال بالآخر في منظومة واحدة متكاملة يمكن أن نطلق عليها النظام الإسلامي.. الحضارة الإسلامية التي تنمو نمواً طبيعياً بصورة متكاملة متوازنة.
سادساً/ الثبات: الفكر الإسلامي فكر ثابت من حيث الأسس التي يقوم عليها، وهي العقيدة الربانية، ومنظومة القيم والأخلاق الإسلامية، وقواعد الاعتقاد والتصور الإسلامي.. كلها مفاهيم ثابتة عميقة أصيلة ضاربة في جذور الفطرة الإنسانية.. وفي أعماق النفس المسلمة، فالتصور على الله، والإنسان، والكون، والحياة.. ثابت لا يتغير، ودور الإنسان في الحياة وخلافته فيها ثابت لا يتغير، ورجوعه إلى ربه في النهاية.. ثابت لا يتغير، وشريعة الله في إقامة الحق والعدل.. ثابتة لا تتغير، وبالتالي فهو فكر راسخ الجذور، ثابته من ثابت الحقائق الأصيلة في هذا الوجود.
سابعاً/ الحرية: ومع ثبات هذا الفكر على الأسس التي أرادها الله تعالى.. تلك الأسس التي لن تتغير إلى قيام الساعة، مع ذلك فهو فكر حر داخل الإطار الإسلامي. بل هو فكر حر من النمطية والآبائية والقولبة والتقليد والجمود، بل هو يدعو إلى إطلاق طاقات العقل لتُضيف وتبدع لا لتُقلّد وتجمد ! فهو فكر فسيح بسعة الإطار الإسلامي، وبسعة الكون كله.. بل إن الله سبحانه أمر الإنسان أن يسير في الأرض ويُعمرّها وينميها ويكتشف سننها، وينطلق للبناء والاكتشاف في كل مجال، وتحقيق أقصى درجات العمارة في الأرض سواء في البناء والتشييد أو التنظيم والإدارة أو الاكتشاف والتطوير أو الابداع والرقي.. لكن يتحرك في الإطار الإسلامي الذي يحقق ويريد خلافة الإنسان في الأرض خلافة ربانية تقيم الحق والعدل الرباني لكل إنسان في كل الأرض.
ثامناً/ المثالية: الفكر الإسلامي فكر مثالي، وليست المثالية في الفكر الإسلام خيال أو عيب كما في مناهج التفكير الجاهلية.. إن الفكر الإسلامي يطمح إلى المثالية في كل شيء في سمو الإنسان الروحي وانتصار الروح على الألم.. في سمو الإنسان المادي بالوصول إلى أقصى درجات الرقي والإبداع.. في سمو الإنسان الحضاري بالتوازن بين الروح والمادة والمضي في طريق الله المستقيم.. في سمو الإنسان الأخلاقي بالوصول إلى قيام منظومة أخلاقية راسخة وحقيقية نابعة من الإيمان بالله وتقواه.. في سمو الإنسان السياسي والاقتصادي بتحقيق الحق والعدل لكل إنسان بعيداً عن جنسه ولونه ولغته وقومه وعقيدته.. في سمو الإنسان الاجتماعي في تكوين شبكة علاقة اجتماعية عالمية تقوم على أواصر البر والتعاون على البر والتقوى.
تاسعاً/ الواقعية: ومع هذه المثالية الربانية في الفكر الإسلامي، فهو فكر واقعي.. يتعامل مع الواقع كما هو لا كما يتمنى، لا يجهل المشكلات القائمة، ولا يجهل المستوى الحضاري الذي عليه الناس، ولا يجهل المستوى الفكري والنفسي الذي يعيشه الإنسان.. ولكنه فكر لا يُسلّم بالأمر الواقع، ولا يستسلم له.. بل يدّركه تمام الإدراك بكل ما فيه، ويفهم مشكلاته بكل جذورها، ويستوعب الإنسان بكل انحطاطه.. ثم ينطلق من حيث هو حتى يترقى به من أسفل سافلين إلى أعلى عِلّيين.
عاشراً/ الإيجابية: الفكر الإسلامي فكر إيجابي، بمعنى أن خلاصته لا بد أن تُفضي إلى نتيجة إيجابية تغييرية ممكنة، فإذا هو ينظر إلى الواقع المنحط، والإنسان المحطم، والبقايا الأدمية من البشر.. ويُدرك كل ما فيهم، لا تجعل الفكر يقف عن حدود الإدراك الأليم، وعند مشارف اليأس.. بل هو حركة إيجابية مهما انحدر الواقع، ومهما سقط الإنسان، هناك دوماً "حركة إيجابية" يمكن للفكر الإسلامي أن يصل إليها، وهناك "خطة عمل" تخطو خطوات على طريق التغيير، وتنقل الإنسان في أناة وصبر وحلم نحو الأفضل.
حادي عشر/ الثورية: الفكر الإسلامي ثوري بالأساس، لأن الإسلام في ذاته فكرة ثورية تثور على كل وضع لا يدين لشرع الله وحقه وعدله، يثور على كل ظالم وطاغية ومستبد، فالإسلام: الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه، ولهذا فهو ثورة على كل طاغوت، وهو ثورة على كل جاهلية، وهو ثورة على كل باطل، وهو ثورة على كل حكم ظالم.  وهو كذلك فكر ثوري في الخروج من التقليد والجمود فينطلق في البحث في العلوم التطبيقية عن أدوات وآليات جديدة لتطبيق شرع الله في كل مجال بما يناسب الظرف الحضاري الذي يعيشه الإنسان.
***
ومن طرق التفكير السليم:
1-      الدقة: الفكر السليم يتميز بالدقة في الفهم والقصد والإرادة، ويبتعد عن التعميم.. وإطلاق الأحكام السريعة دون أن يتحرى الدقة في كافة الأبعاد؛ حتى لا تقوم قاعدة الفكر على ظنون أو احتمالات أو أوهام.
2-      التحقق: التأكد والبحث والاستقصاء والتحقق من كل معلومة من مصادرها، مع مراعاة طبيعة المصدر، وفكره، واتجاه، ومصداقيته، وموضوعيته، وسابق أفعاله.
3-      الاتساع: ومع كون الفكر السليم دقيق، فهو في نفس الوقت متسع شامل، لا يغرق في جزئيات الجزئيات ويهمل كامل الصورة.. فهو لا يهتم بجزء من الصورة يجعلها هي كل القضية، بينما بقية أجزاء الصورة مُهملة أو مُلحقة غصباً بتلك الجزئية، وهذا ما يكون عليه الفكر المتعصب والمنحرف الذي يُصر على أن القضية هي نقطة في الصورة، دون أن يرى الصورة كاملة.. ويلحق موضوع الصورة كلها بتلك الجزيئة المتعصب لها.
4-      التمييز: الفكر السليم يُميز بين موضوعات بحثه، وتنوعها، ودراسة أسبابها ومسبباتها.. بل إنه يميز داخل الموضوع الواحد بين العناصر المختلفة فيه، ويرى العناصر المستقلة، والعناصر التابعة للموضوع الواحد، حتى يستطيع فك وتركيب الموضوع الرئيسي والفكرة الأصيلة بسهولة من يدرك أصول الأشياء.
5-      الربط: العقل الإنساني يتلقى مجموعة من الأفكار والمفاهيم هي التي تُشكل عنده عملية التفكير.. ولأن الحياة مجالها متسع وأفاقها واسعة ومتنوعة، والمعرفة الإنسانية كذلك لا تقف عند حد، فكانت عملية الربط بين الأفكار ، وإيجاد العلاقة المؤثرة بين كل فكرة، وإحداث التوازن في هذه الأفكار وتنوعها وإعادة ترتيبها، وتشكيلها.. يجعل من الفكر منظومة رائعة متجددة دوماً.
6-      المنهجية: الفكر السليم لا بد أن يسير في طريق ومنهج بمعنى وجود موضوع وعنوان للفكر، ثم عناصر الموضوع، ثم أهمية كل عنصر بالنسبة لغيره، ثم علاقة كل عنصر بالآخر، ثم الغاية من عنصر للموضوع، ثم تحليل كل جزئية على حدا، ثم تحليل كل الجزئيات مجتمعة، ثم صياغة الصورة النهائية، ثم الوصول إلى نتيجة في النهاية.
7-      الموضوعية: الفكر السليم دوماً يُعالج الموضوع والفكرة والمشكلة فقط، ولا يخلط بين الفكرة والموضوع وشخصية صاحبها.. لذا فهو لا يُعطي "صك" موافقة أبدية للفكرة لأن صاحبها شخصية معروفة أو مشهورة، ولا يُعطي "صك" رفض أبدي للفكرة لأن صاحبها مجهول، هو ينظر إلى "الموضوع" ليحكم عليه وحده مجرداً عن أي تأثيرات.  لأنه لا يدرس الشخصية، إنما يدرس الفكرة.. لذا فمعالجته للفكرة وموضوعها فقط، ويكون هذا هو إطار الفكر لا يخرج عنه، وإذا أراد دراسة شخصية القائل.. فهو يضع العنوان والإطار أن حديثه عن شخصية محددة يتتبع فيها الأسلوب المتبع لدراسة الشخصية من حيث الزمان والمكان والتأثيرات والأطروحات.. إلخ.
8-      القاعدة: ينطلق كل فكر سليم من قاعدة ثابتة راسخة، وقد ذكرتُ - أعلاه - قاعدة الفكر الرباني وعندما ينطلق هذا الفكر من قاعدته إلى الموضوعات المختلفة في مناحي الحياة.. لا يكون الهدف من ذلك هو الوصف والتحليل والاستطراد فحسب فذلك مجرد وسيلة لغاية هي الوصول للأصول والقواعد للأشياء، وإدراك الفكرة والموضوع في قاعدة سهلة بسيطة يستطيع فهمها كل إنسان في النهاية، تصلح لتكون قانون حياة أو  علامة على الطريق.
9-      الرصد: العقل البشري يتلقى لحظياً كماً هائلاً لا يتوقف من المعلومات والأخبار والمشاهد والأحداث، ولا يمكن أن يتوقف عند كل معلومة وخبر ليُفصله تفصيلاً - فهذا عمل المتخصصين والمؤسسات - لكنه يرصد العامل المؤثر في كل تلك الأحداث، يرصد طريقة الصياغة، يرصد توقيت الخبر، يرصد علاقة الخبر بغيره، يرصد تأثير الحدث، يرصد ردود الأفعال، فلا يغرق في تفصيله أو جزئية دون علاقتها ببقية ما يدور حوله، أو ينظر إلى ما يحدث حوله بصورة منقطعة عن بقية الأحداث، فيصل في النهاية إلى جزئيات من الحقيقة مشوّهة، ولا تفضي لشيء.
10-  التحليل: تتنوع الرؤية لمناشط الحياة المختلفة، فالموضوع الواحد يمكن تحليله سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، ونفسياً، وثقافياً، ودولياً.. إلخ، وعلى هذا يجب تحديد نوع التحليل، وأهمية التحليل بالنسبة للموضوع، وعلاقة كل تحليل للموضوع الواحد بالتحليلات الأخرى، ثم في النهاية النتيجة النهائية للتحليل من منظور الرؤية المتكاملة الشاملة.
11-  التسجيل: ذاكرة الإنسان لا تتسع لكم المعلومات المتدفق في كل لحظة، وكثيراً من تُساق جملة الأحداث العالمية والإخبارية في صيغة تُنسي بعضها بعضاً، وتجعل الهدف من المعلومة هو فقط مجرد الاطلاع عليها ! والخبر الواحد والفكرة الواحدة تُصاغ بأكثر من طريقة، وتُعرض بأكثر من أسلوب، وتَلبس أكثر من ثوب.. ثم يمر زمن قصير فيُعاد طرح نفس الفكرة بطريقة وأسلوب مختلف لا ميزان دقيق له، فربما تُطرح الفكرة الواحدة في ثوب الخلاص والنجاة، ثم تُطرح نفس الفكرة بأسلوب مختلف على أنها الهلاك والشقاء ! ولذا فإن التسجيل الفكري الدقيق للأفكار  وعَنونة موضوعاتها ضرورة مهمة للحفاظ على طاقة العقل، وضرورة مهمة للنجاة من التضليل التدليس، وضرورة مهمة لمراقبة الواقع المعاش بصورة علمية منظمة.
12-  العمق: التفكير السليم لا يتعامل مع مجرد ظواهر الأشياء، ويقبل بها دون أن يبحث في عمقها وجذورها، فيبحث عن المصداقية لظواهر ما حوله، إنه لا يقبل ويُسلم بسهولة، ولا يتهم ويشك بسهولة.. بل "يبحث" حتى يطمئن إلى حقيقة وأصالة ما حوله، وهل ما يحدث حوله.. يحدث وفقاً لسنن وقوانين الحياة، أما أن ما يحدث خداع وصورة كاذبة للتضليل والكذب، وتحريك الأحداث لمصالح محددة سلفاً.
13-  الآلية: الفكر السليم يتبع آلية واضحة، وينتقل من مرحلة لمرحلة أخرى وفق خط سير .. فمثلاً الفكر الإسلامي يحدد منهجه ( الإسلام ) ويحدده موضوعه ( الشريعة ) ويحدد هدفه ( الحق والعدل ) ويحدد مصادره ( الوحي الرباني ) ويحدد مكانه (  الواقع العالمي ) ويحدد زمانه ( يدرك أدوات زمانه ) ويحدد قوته ( ادراك السنن الإلهية في الإنسان والكون، ويُعد القوة اللازمة ) ويحدد غايته ( تحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله ). وعلى هذه الآلية يمكن أن نحدد في أي مرحلة الفكر نقف؟ وإلى أي مدى وصلنا؟ وكل مرحلة من المثال السابق يكون لها نفس الآلية من: [ المنهج - الموضوع - الهدف - المصدر - المكان - الزمان - القوة - الغاية ].
14-  الوضوح: ليس معنى الفكر  أنه عملية غامضة بألفاظ غريبة، ومصطلحات مُعقدة كما تقدمه الفلسفة أحياناً، وليس معنى الفكر أنه عملية إعمال العقل بطريقة فوضوية ارتجالية.. الفكر السليم فكر واضح في رايته، وفي ألفاظه، وفي مقدماته، وفي منهجه، وفي موضوعه، وفي آلياته.. ويُفهم بمجرد قرأته بهدوء وتأمل، ويطرق عقل القارئ بأدب، ويلمس قلبه بصدق، ولا يتعمد التقعير والتعقيد بل يحاول الوصول إلى الحقيقة من أقرب وأسهل طريق، بأسهل أسلوب ولغة.
15-  السهولة: الفكر السليم فكر سهل رغم عمقه، ورغم شموليته.. وتكمن السهولة في اتساق الفكر في بنية ومنظومة صحيحة من المقدمات والنتائج والأسباب والمسببات، وسهولته أيضاً أنه ليس به  نتوءات فكرية أو نفسية.. بل يمضي في وحدة واحدة متناسقة ومتسقة مع بعضها، وكذلك لأنه على مستوى واحد من الشمولية والعمق والإحاطة، وعلى قاعدة واحدة من الهوية والصبغة، وإلى هدف وغاية واضحة معروفة.. ولذا يمكن أن نسميه "فكر أنيق".
16-  المساحة الكافية: لكل إنسان رؤية وحكم مُسبق لما يدور حوله من أفكار وأشياء.. وإن بداية الفكر السليم تكمن في ترك "الحكم المسبق" والذي غالباً ما يكون حاكماً عاطفياً نفسياً آبائياً - وراثياً، وأحياناً كثيرة يتشرّب الإنسان الحكم المسبق - لا سيما إذا كان بلا قواعد صحيحة - ويملأ العقل والقلب فلا يترك مكاناً لأي إصلاح أو تصحيح أو تغيير. لذا يجب اتباع أسس وقواعد الفكر  الصحيحة بهدوء دون صخب، وبتأمل دون تعصب، وبعمق دون سطحية، وبتجرد للحقيقة لا اتباع الظن والهوى، وترك مساحة كافية في العقل والنفس والقلب للرجوع إلى الحق عند معرفته وإدراكه.
17-  اعتبار النقص: الفكر السليم يُقر بوجود النقص في تصوره، ويكون لديه من المرونة، والقبول، والتحري، والاستقصاء.. لاستكمال النقص، ومشاهدة ومتابعة النمو العقلي المستمر، والعمل على استكماله بالغذاء المعرفي والروحي المستمر؛ الأمر الذي يدفع الإنسان إلى "التحسين المستمر" والانفتاح على كافة العلوم، و"التسامح" مع المخالفين.. وسبر أغوار الفكر بصورة دائمة.
18-  الترتيب: الفكر السليم ذو الشمولية والعمق، لا بد أن يكون فكراً مرتباً ومنظماً تنظيماً دقيقاً لا يخلط بين الموضوعات فيطرح ما هو سياسي فيما هو اجتماعي مثلاً، وكذلك لا يُعالج الموضوعات بصورة منفردة دون اعتبار لباقي المؤثرات حوله.. بل ينظم كل موضوع فيما يخصه، ثم يربط بين بعضها في النهاية للوصول إلى فكرة نهائية مرتبة وواضحة وسهلة التداول.
19-  الرشاقة: الفكر السليم فكر  رشيق لا مترهل، ولا يعاني السمنة والبدانة.. فغذاؤه الثقافي والمعرفي والروحي والمرجعي متوازن، وصحي.. فلا يثمن في جانب فيحدث له ترهل، ويُهمل جانب آخر فيقع له الهزل والضعف.. لذا فهو فكر رشيق الحركة والانطلاق لتوازنه المعرفي والروحي المنضبط، فيعالج الأمور والأحداث بسرعة ودقة.
20-  المراجعة: معرفة الإنسان - مهما بلغت - فهي محدودة، ويحكمها الزمان والمكان، وطاقة العقل مثل أي طاقة في الإنسان، قد تضعف أحياناً، وتقوى أحياناً أخرى، وقد تُستنفذ كلها في قضية واحدة.. لذا فالفكر السليم يحتاج دوماً إلى المراجعة الدقيقة من قِبل أكثر من مُفكر وباحث، وللنظر من كل الزوايا.. لرصد التغيرات والمستجدات، ويكتشف الخلل إن وجد، ويقوي الفكرة الصحيحة بما يستجد من أفكار وأشياء وحياة، ويُراجع كيفية تطبيق الفكر على الواقع.. ويراجع ما حققه الفكر من تغيير وتقدم، وما استخدمه من آليات، وما مدى أثره.. وماذا يحتاج لتحقيق أقصى فعالية ممكنة.
21-   الاجتماع: الفكر عملية إنسانية.. وتعني أول ما تعني بالإنسان، لذا فالفكر السليم فكر اجتماعي يخرج من حدود الأوراق إلى واقع الناس، فيتفاعل معهم، وينفعل بهم.. وتكون عملية نمو الفكر  عملية اجتماعية ثورية إصلاحية، ولا تقف عند حدود "فلسفة الكلام" وكذلك لأنه تظل هناك فجوة بين الأوراق والواقع قد لا يسدها إلا المفكر نفسه، فقد يكتب في الأوراق ما يعترض عليه المجتمع، فإذا خرج إلى المجتمع يحدثهم بعقله وقلبه بنفس ما في الأوراق يجد استجابة لأنه بمجرد نبرة صوته، وانفعال قلبه، وصدق حديثه يجيب على هواجس وتساؤلات من لم يستطع فهم ما بالأوراق.. لذا فالفكر السليم فكر اجتماعي إنساني بالأساس.
22-  الاتصال: الفكر السليم ليس فكراً انعزالياً.. يعيش المفكر فيه بين أطنان الكتب على رفوف المكتبات ! بل هو  فكر حركي يقول على الاتصال والتواصل الإنساني بين الناس سواء أكانوا ذو مستوى فكري عالي أو متواضع بسيط.. وأهمية الاتصال تكمن في أنه في أحيان كثيرة يحدث اصطدام بين الفكرة الواحدة المطروحة من أكثر من جهة، بأكثر من صياغة، يحدث هذا الاصطدام في "عالم الأوراق" ! بينما في حالة الاتصال الإنساني والحديث المباشر نجد أن هذا الاصطدام وهمي في الخيال يغلب عليه العاطفة والظن، بينما الاتصال الحقيقي يُذيب الفروقات والهواجس، ويخدم الفكرة.. ويبني واقعها.
23-  الاستشراف: الفكر السليم فكر يُعالج الواقع، ويستشرف المستقبل.. بدروس الماضي، وبحال الحاضر، وبسنن الله في النفوس والمجتمعات والكون، لذا فهو لا يقف عن حدود الحاضر، ولا هو يعيش في المستقبل.. بل هو متوازن بين معالجة الواقع، والسبق إلى المستقبل.. ليستعد له الاستعداد اللائق، فكلما ارتفع مستوى الوعي بالماضي والحاضر والمستقبل؛ تقل الخسائر، وتتحقق الريادة.
24-  المعالجة: تدفق المعلومات لا يتوقف لحظة واحدة، ولا يمكن أن تكون كل المعلومات صحيحة ودقيقة.. لذا فلا بد من معالجة المعلومة معالجة دقيقة لأن المعلومة غذاء الفكر، ولا بد أن يكون الغذاء.. صحياً، ومتوازناً، ومناسباً، فلا يُحدث تُخمة وبدانة فكرية ! لا بد من معالجة المعلومات من حيث مصدرها، توقيتها، طرق صياغتها المتعددة، طرق طرحها المختلفة، الهدف الكامن ورائها، وهل تم التلاعب بها، ومن يتحكم فيها، ودرجة الأضواء المُسلطة عليها.. إلخ.
25-  التجديد: يحتاج كل فكر أن يلبس ثوب عصره، ويلبي احتياجات واقعه، ويعالج مشكلات مجتمعه، لذا فهو دوماً في حاجة إلى التجديد مع المحافظة على الهوية الخاصة به.. فالتجديد يعني نمو الفكر نمواً طبيعياً في بيئته، داخل هويته، منتمياً لحضارته، وبالتالي فاستيراد الأفكار  من هويات وبيئات أخرى يعني ببساطة مسخ الفكر ابتداء، وموته - ولو بعد حين - لأنه ينمو نمواً مشوهاً ممسوخاً خارج بيئته وهويته.
26-  الهوية: لكل فكر هوية وصبغة وقاعدة انطلاق، وعلى سبيل المثال الفكر الرباني.. هويته وصبغته هي الإسلام كرسالة عالمية، وحضارة ربانية.. وهذه الهوية مصاحبة للفكر من بدايته لنهايته لا يحيد عنها.. ليس تعصباً وإنما انتماء لها، والإسلام كرسالة عالمية تعني أول ما تعني بتحرير الإنسان.. لذا يمكن أن نُسمي الفكر الإسلامي بأنه "فكراً عالمياً إنسانياً تحريرياً" يُعبر عن هويته في ألفاظه، وأسلوبه.. وفي آلياته وحركته.. وفي هدفه وغايته.
27-  التوجه: لكل فكر توجه، وتوجه المفكر المسلم بالطبع نحو الانتماء للإسلام، والانتساب للأمة.. فالحكمة ضالته، والمسلمون إخوته، ويتعاون على البر والتقوى مع كل المسلمين بلا تحزّب أو تعصب.. ويقرأ لكل المفكرين والكتاب ويطلع على كل الثقافات، وفي النهاية يبحث لإسلامه عن واقع ووجود، ولأمته عن حياة.
28-  الإخلاص: التفكير السليم يجب أن يكون مخلصاً للحقيقة ومتجرد لها، ولا يسمح بتلاعب النفس والهوى بما يظهر له من الحقيقة، وهو يحمل أمانة الكلمة.. فلا يتاجر بها، والفكر الإسلامي شعاره الإخلاص لله سبحانه في قول الحق - ولو على أنفسنا - والعدل والإنصاف والصارمة الشديدة في ذلك، لأن الإسلام يأمر بأن يكون كل فعل وقول خالصاً لله سبحانه، والله سبحانه هو الحق، وهو جل جلاله يحب الإنصاف، فأهم معالم التكفير الإسلامي السليم: القيام لله، والشهادة بالقسط.
29-  التواضع: التفكير السليم يتواضع أمام الحقيقة عندما تظهر له، ومن أهم أسباب التكذيب هو "الاستكبار" عن قبول الحق، ورده لما يتعارض ذلك مع مصالح مادية أو معنوية، والمفكر يعرف حجم جهله - كلما ظهر له من العلم - فهو يتواضع للعلم، والفكر الإسلامي يجعل الاستكبار عن سماع الحق والاستجابة له "مهلكة كبرى" بل يُعرف الكِبر بـ "بطر الحق، وغمط الناس" أي: رد الحق والاستعلاء عليه، والانتقاص من الناس، وعدم الاستجابة لداعي الحق.
30-  الهدف: هدف الفكر بالأساس تغيير ما بالنفوس من قيم وموازين باطلة، وأفكار وتصورات منحرفة، ومعالجة ما بالنفس من أمراض كخطوة أولى لتغيير الواقع للأفضل، وهو إذ يتبع الأسس الصحيحة للفكر السليم.. ويفهم الحياة والواقع والإنسان، ويدرك التاريخ والسنن والقوانين.. عليه - في النهاية - أن يصل إلى "هدف إيجابي" يرتكز إلى آليات يمكن تطبيقها في واقع الحياة المعاصرة، ويضع آلية للانتقال من مرحلة إيجابية إلى مرحلة إيجابية أخرى في طريق الحق، حتى نصل إلى الهدف الأخير وهو: "تحرير الإنسان في الأرض كلها من العبودية لغير الله، وإقامة الرحمة والحق والعدل الرباني".

***