هذه بعض المعالم حول تطبيق الشريعة، نُبينها ـ بفضل الله ـ بصورة مختصرة، دون تفصيل أو إسهاب أو استدلال، بحيث تكون قريبة الفهم، سريعة الاستيعاب بإذن الله.
كُتبت في: 08. 02. 2025م
1ـ تَعرضت قضية تطبيق الشريعة إلى إهمال جسيم عبر التاريخ الإسلامي؛ ومن ذلك: إهمال الجانب السياسي والمالي في أحكام الشريعة، ومنها هجمة العلمانية الملحدة على الإسلام عامة والشريعة خاصة، ومنها التميع في قضية تطبيق الشريعة، ومنها تشويه الشريعة والتخلي عنها واختزالها في بعض الحدود، ومنها الجمود والتقليد الفقهي الأعمى، ومنها اعتبار الشريعة ورطة كبيرة وحرج شديد نبحث عن الأعذار لتأجيلها بحجة الاستضعاف، والنظام الدولي، وضعف التمكين، واختلاف الناس، والأعداء... إلخ.
2- الشريعة الإسلامية: هي كل ما شرّعه الله لتنظيم الحياة البشرية بكل مجالاتها وتنوعاتها وأنشطتها. وفيها أحكام قاطعة مجمع عليها، وما يستجد من أحوال الناس والمعاش، فإنه يُرجع فيها إلى أصول الاجتهاد التي حددتها أيضاً الشريعة الإسلامية؛ فيكون رَد التنازع في أي شيء إلى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.
3- إنَّه لا بد من شرعة ومنهاج وطريق حياة يجب اتباعه الآن الآن.. ومن ثم إما أن يكون شرع الله ودينه ومنهجه، وإما أن يكون شرع الطاغوت والنفاق والعلمانية؛ وليس ثمة خيارات أخرى سوى محاولة الخلط بينهما، والإيمان ببعض والكفر ببعض على طريقة أهل الكتاب.
4- اتباع شرع الله هو أصل من أصول الإيمان، وتوحيد للألوهية والربوبية لصاحب الملك والخلق والأمر؛ فله السمع والطاعة والخضوع والإسلام والإنابة والاتباع.. والخروج عن هذه الشريعة بالكلية جحوداً أو إعراضاً أو استحلالاً لاتباع غيرها هو الكفر البواح الأكبر.. وتسقط شرعية كل نظام حكم، وكل اجتماع، وكل سلطان لا يجعل حاكمية الله ودينه وشريعته هي العليا.
5- إنَّ تطبيق الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلى إعلان، أو تحضير، أو إجماع برلماني، أو لجان توافقية، أو نص دستوري، أو رضى الناس، أو حوار مجتمعي.. فحاكمية الله وشريعته وكتابه فوق كل ذلك، وسلطان الشريعة فوق كل سلطان، فكما المسلم لا يُعلن ـ مثلاً ـ أنه عندما يستيقظ من نومه سوف يؤدي الصلوات المفروضة، باعتبار هذا الإعلان لا إضافة فيه، فكونه مسلماً يعني أنه ـ حتماً ـ يقيم الصلاة، فمثل ذلك الشريعة؛ كَون الحاكم مسلماً فإنه لا يحتاج إلى إعلان عن تطبيق الشريعة.. لأنه لا يملك ابتداء خيار نبذها إلى غيرها، والشريعة لا تستمد سلطانها من إجماع ورضى الناس، بل تستمد سلطانها من الله جل جلاله. والحاكم (الرئيس) المسلم ـ ونظامه السياسي ـ لا يملك إلا أن يفعل كل شيء "باسم الله"، و"ابتغاء مرضاة الله".. وإن لم يفعل فإنه يُشرك بالله غيره؛ ويحجز لنفسه قصراً في الدرك الأسفل من النار. والمجتمع المسلم لا يقبل ـ في نفس الوقت ـ إلا أن يُحكم بشريعة الله، ولا يستسلم ولا يقبل ولا يرضى إلا بها.
6- كل مادة قانونية، أو دستورية، تخالف الشريعة الإسلامية (مثل: تحريم التعدد في الزواج للرجل)، تسقط من تلقاء نفسها دون الحاجة لإجماع أو نقاش أو تداول أو رضى؛ لأنها من الحلال المجمع عليه، ومثل ذلك في استحلال الحرام المجمع عليه. فالشريعة ليست مجرد مصدر من مصادر التشريع فحسب ـ سواء أكانت مصدراً رئيسياً أو فرعياً أو تشاركياً ـ بل هي المصدر الوحيد للتشريع اتباعاً واستنباطاً واجتهاداً المُلزم للحاكم والمحكوم والمشرع، ولها السيادة والمرجعية العليا القطعية، فهي تعلو ولا يعلو عليها، ومن كتاب الله تنبثق حياة المسلمين السياسية والمالية والتشريعية والقضائية والفكرية والنُسكية والتربوية والسلوكية والتعبدية والروحية... إلخ.
وأما ما يُذكر في بعض الدساتير من أن: الشريعة الإسلامية ـ أو مبادئها ـ هي المصدر الرئيس (أو الرئيسي) للتشريع، أو الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، أو مصدر رئيسي للتشريع، فهذا يعني ـ وفقاً لواضعي هذه المادة وشُرّاحها ـ أن الفقه الإسلامي أو الشريعة مجرد مصدراً مادياً من المصادر التي إن شاء المشرع الوضعي أن يرجع إليها جنباً إلى جنب مع باقي المصادر المادية القانونية للمدونات الفقهية الفرنسية أو الإنجليزية أو غيرها فيختار من بينها ما يشاء بعد رجوعه للمجلس التشريعي المختلط. وجاء في تفسير هذه المادة بمصر عندما طلب البعض التحاكم إلى الشريعة وفقاً للمادة الثانية من الدستور "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع": فقالوا ’’عبارة (المصدر الرئيسي للتشريع) لا تمنع لغوياً وجود مصادر أخرى للتشريع‘‘! وكل ذلك مصادم مصادمة تامة لسيادة الشريعة، وقد تُوضع المادة لمجرد الإلهاء أو لإرضاء بعض الغيورين على الدين دون أن يكون لها فعالياتها وسيادتها وتفردها في التحاكم والتشريع والتقنين.
7- الشريعة الإسلامية تشمل كل مجالات الحياة: (السياسية، والمالية الاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية والتعليمية والأخلاقية والسلوكية، والقانونية الدستورية، والقضائية، والعلاقات الدولية... إلخ). ومطلوب من الرئيس المسلم، ونظامه السياسي، والمجتمع المسلم أن يقيم هذه الشريعة ـ حسبما يُكلف الله كل نفس ما آتاها ـ وقد حدد كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأحكام العامة في كل هذه المجالات، والأحكام التفصيلية في ما أراد فيه التفصيل.. وكل خطوة على هذا الطريق هي عين تطبيق الشريعة.. كل تمهيد وكل تحضير وكل استعداد وكل حركة تُمكن لدين الله في الأرض هي عين تطبيق الشريعة.
وما يعجز عن تطبيقه منها فإنه يعمل على: رفع حالة العجز إلى التمكين، والامتناع من إعطاء الشرعية الإسلامية للأوضاع المخالفة للشريعة؛ فالعجز شيء، والرضى والتغاضي عن الأوضاع المخالفة للشريعة شيء آخر تماماً، واستمرارية حالة إنكار كل منكر ـ مجمع عليه ـ مخالف للشريعة، دون إفساد ذات البين، أو إثارة الفتن.
8ـ إنَّ تحرير الأرض من الطغاة وأئمة النفاق والكفر "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة، إنَّ تحقيق العدالة السياسية والشورى والرضى، والتحرر من التخلف والفساد والتبعية الغربية "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ تحقيق العدالة الاجتماعية "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة. إنَّ إقامة معالم الاقتصاد الإسلامي "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ إشاعة العدل والإحسان والأخلاق الربانية وإحياء شعائر الإسلام وإصلاح ذات البين "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ إصلاح وتطهير مناهج التربية والتعليم "باسم الله" من لوثة العلمانية والإلحاد والمادية هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ إصلاح الدستور والقوانين "باسم الله" على شريعة الله هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ إصلاح وتنظيم المحاكم وحسن إدارتها وسرعة إنجاز العدالة وإنصاف المظلوم "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ إقرار حقوق الأقليات غير المسلمة "باسم الله، ابتغاء مرضاة الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ الإصلاح بين الناس، وإطعام الطعام، ورعاية المساكين والضعفاء "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ إشاعة الفضيلة ومحاربة الرزيلة وتعظيم الشعائر الإسلامية "باسم الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ إعداد القوة "باسم الله" وما يلزمها من إصلاح منظومة التعليم والصحة والبنية التحتية والفوقية والوفرة المالية، واستخدام هذا القوة "ابتغاء مرضاة الله" هو عين تطبيق الشريعة.
إنَّ الدعوة إلى الله، وحمل رسالة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "باسم الله" هي عين تطبيق الشريعة.
9- إنَّ إقامة شريعة الله تستلزم رجالاً أخلصوا دينهم وحياتهم لله، يذكرون الله كثيراً، في حركاتهم وسكناتهم وفكرهم وتأملاتهم يذكرون الله بقلوبهم وعقولهم وألسنتهم وأعمالهم، آتاهم الله الحكمة التي هي عمل الشكر والصالحات لله وحده لا شريك له.. وتخلصوا من أوهاق العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى، والتفرق الجاهلي، والتأثر بالعلمانية، واتسعت قلوبهم وعقولهم لحمل الرسالة الإسلامية، وتمكينها في أرض الله، دون إفراط أو تفريط أو جهالة، وجاهدوا في الله حق جهاده لا يخافون في الله لومة لائم؛ فصدوا هجمة العلمانية والنفاق بكل استعلاء بدين الله وكتابه.. فاستقاموا على صراط الله المستقيم.
10- شريعة الله كلها رحمة، وكلها عدل، وكلها حق، وكل صلاح، وكلها خير، وكلها فلاح للإنسانية في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. والمسلم إنما يقيم هذه الشريعة ليس من أجل تحقيق هذه المحاسن فحسب، بل إنما يُقيمها ويُحكِمها ويُعلِيها ابتداء لأنه يحقق معنى العبودية الخالصة لله ـ والتي دونها الشرك والعياذ بالله ـ ويُوحد الله في الشريعة كما يُوحده في الشعيرة: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } [الجاثية: 18-19]
***
للمزيد.. لطفاً راجع:
ـ كتاب: العقيدة السياسية في التصور الإسلامي.
ـ بحث: إقامة الدين، وتحكيم الشريعة.
ـ كتاب: الحكومة الإسلامية.. رؤية تطبيقية معاصرة.
ـ كتاب: نحو مجتمع إسلامي.
ـ بحث: خريطة تحكيم الشريعة.
ـ كتاب: حول تطبيق الشريعة.
ـ كتاب: سؤالات تحكيم الشريعة.
ـ كتاب: توحيد الربوبية "تحت الإعداد".
***