06‏/08‏/2015

إشكاليات السلفية

هناك إشكالية خطيرة في مسألة التدين والعلم الشرعي والتربية عند السلفية:
فتم اختزال التدين في الاهتمام بالشكليات والمظاهر الخارجية - دون إصلاح النفوس، وتحصينها - واختزال صورة التدين في دراسة كتب الفقه والعقائد.
وتم اختزال العلم الشرعي في بعض الكتب تحديداً، وكلها من كتب التراث.
وتم اختزال التربية في تحنيط العقل المسلم، وإلغاء قدرته على الإبداع ورصد وحل المشكلات، وما عليه سوى التقليد.
وبالتالي أنتج هذا الاختزال :
(1)  غياب الفقه السياسي الإسلامي.
 (2) غياب العلوم الشرعية النفسية المنبثقة من القرآن الكريم.. والتي تؤلف منهج "التحليل والتشخيص والعلاج"، وتوافق طريقة القرآن ومنهجه في معالجة وصناعة الإنسان والحياة.
(3)  توقف العقل المسلم عن البحث في الحلول، وفقدان الإيمان بالقدرة على التفكير؛ فينشأ الولع بمنهج "الإدانة والحكم".
(4)  غياب الفكر والتصور الإسلامي كعلم، وإبداع، وحضارة.
(5)  جهالة التقليد، واعتقاد الحق المطلق في الاختيار والعمل.
*   *   *
وكانت أكبر إشكاليات العقلية السلفية:

الأمر الأول:
إقامة "عتبة مقدسة" عند نهاية المائة الثالثة من الهجرة، واعتقاد أن السلف لم يترك شيء يفكر فيه الخلف من بعدهم! فقد فكروا لهم في كل شيء.. وأن فتح الله ونوره لعباده مرحلة قد انتهت !! ومن ذلك نشأت فكرة تقديس الرجال، وتقديس كتبهم، ولست أبالغ إن قلت: لقد تحولت المسألة إلى "وثنية كهنوتية".
فقد وجد فيها الطغاة مطلبهم؛ ففتوى واحدة كفيلة بتركيع أمة بأكملها، وبتجرعها الذل والعبودية مئات السنين.. باسم إتباع الدليل، والدليل هو السلف !!.
وبذلك فقد العقل قدرته على الفهم والتدبر، وعلى من يريد العلم أن يقف عند هذه العتبة لا يتجاوزها أبداً.. كل ما عليه هو "التقليد" ولا شيء غيره..
ولقد تضاعفت آثار هذه المشكلة سيما بعد سقوط الدولة العثمانية، وجمود الاجتهاد الفقهي عند القرن الثامن الهجري تقريباً.. وسيطرة المحتل الصليبي - من وراء حجاب - على "الفتوى" في بلاد المسلمين !!.
وتم حصر العلم الشرعي منهجاً وفكراً ودراسة في كتب السلف، وتم اختزال بقية العلوم التي كان من المفترض أن يساهم فيها المسلمون بإنتاجهم.
كانت أخطر مشكلة هي "غياب الفقه السياسي الإسلامي" فالبيئة المبكرة للاستبداد منعت ابتداء التفكير في النظم السياسية، وكيفية تطويرها بما: يحقق شورى الأمة وفاعليتها وحملها للرسالة، ويحقق الرقابة على الحاكم، والشفافية في التعامل، والفصل بين السلطات، والتوزيع العادل للسلطة بما يمنع الاستبداد ويحقق التوازن، وتحقيق التجانس بين الأمة العالمية لا القومية، ويمنع انتقال السلطة للأبناء أو وراثة الأمة كأنها قطيع من الغنم، ويحقق انتقال السلطة للأكفأ والأعلم، وتقييم وتقويم القيام بالحق والعدل، ويمنع استغلال الفتاوى في حماية السلطان، واستقلال العلماء، ويحافظ على بقاء الشريعة هي المحور، والكتاب هو محل الدوران كما هي وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "دوروا مع الكتاب حيث دار".
بل حدث العكس، وهو الدفاع عن الحاكم الظالم والفاسق، بحجة عدم الخوض في الفتنة، وصار حاكم المسلمين طوال فترة الملك العضوض، هو مسألة قدرية.. لا دخل للأمة بها، إن جاء الحاكم صالحاً فالله الحمد، وإن كان غير ذلك.. فبذنوبنا وما علينا إلا الصبر! وإن حدثت ثورة ونجحت، فله شرعية المتغلب !.
على الجانب الآخر: كان الفقه حينها يُمارس من أجل القضاء والمحاكم، فكان اعتماد منهج "الإدانة والحكم" هو السمة الغالبة للفقهاء، ومحصوراً في جانب الأحكام.. وأما كتب العقائد: فهي للرد على المخالفين بعد انتقال اللوثة الإغريقية اليونانية إلى فهم التوحيد، والتنازع في مسائل الأسماء والصفات ! أما منهج "التحليل والتشخيص والعلاج" الذي يتطلب نظرة مختلفة للقرآن الكريم - والذي جاء فيه منهج التحليل والتشخيص والعلاج يمثل الغالبية العامة منه - والذي يتطلب دخول العقل المسلم إلى مجالات النفس والمجتمع واكتشاف سننها ورصد أحوالها، واعتبار ذلك من "صميم" العلوم الشرعية، فقد كان غائباً بالكلية عن هذا الواقع.. اللهم إلا إسهامات بسيطة هنا أو هناك.
بل طفحت كتب التفاسير الأثرية بالإسرائيليات والخرافات والأساطير والأحاديث المكذوبة ! وصارت تُقدس وتنتشر بحكم أنها كتب تفاسير، وبأنها من كتب السلف !.. فتم حصار الكتاب بهذا الركام !.
وعلى جانب ثالث: ظهرت فكرة "الحق المطلق" مع الانحطاط الفكري، والتمذهب، والعصبية الجاهلية، والتعصب الفكري.. مع فقدان القدرة على التمييز، ومعرفة ما يسع الخلاف فيه، وما هو ثوابت.
*   *   *
الأمر الثاني
جعل بعض القضايا الفقهية "قضايا عقيدة" وكفر وإيمان، وحق وباطل، وسنة وبدعة، ومن ثم تفسيق وتبديع وتضليل وتكفير المخالف فيها، وتقديم القضية الفقهية التي فيها أكثر من رأي معتبر على أنها قضية الدين، وعصب الإيمان، ولا يحترمون رأي غيرهم من المدارس الفقهية المعتبرة.. ومن هذه القضايا والتي لا يكاد يخرج عنها الخطاب السلفي: "إثبات الصفات، شرعية التغلب (والدفاع عن الظالمين)، هدم القباب، مهاجمة الطوائف الأخرى خاصة الشيعة [أنا أُؤيد مدرسة صلاح الدين الأيوبي في التعاطي مع أمر الشيعة كما ذكرت تفصيلاً في بحث "المسألة الشيعية"]، أحكام الغناء، واللحية، والإسبال، والنقاب، زكاة الفطر،... إلخ"
كما يحدث نوع من إخفاء الأدلة على المستمع، والتي يقول بها الطرف الآخر، حتى يقع في ذهن المستمع أن هذا هو الدين الحق الذي دونه الباطل !
مما يُحدث الحرج عند الناس، فالمسلم الذي يستمع إلى هذا "الخطاب المتطرف" سيذهب بإخلاص ليرمي غيره بالبدعة والضلالة، أو على الأقل سيضمر في قلبه أنه وحده على الهدى، والباقين غارقين في الضلال المبين مما قد يُنشأ في قلبه حالة من "العجب والكبر" لنفسه، وازدراء غيره !
ومن يستمع إلى هذا الخطاب ولا يستجيب له، ويظن أنه الحق المطلق المبين، ولا يستطيع التزامه سيشعر بالتأثم والحرج، وعدم قدرة نفسه على التزام الحق، وقد ينحرف بالكلية ليأسه من نفسه، وقدرتها على الهداية.
هذا الخطاب الذي يجعل من كل قضية فقهية أو فكرية يتبنها هي "الحق المطلق" ولا يتورع أبداً عن رمي كل مخالف بكافة التهم، ويشعر بالاستعلاء والوصاية على الدين وعلى الناس؛  يُحدث أمرين غاية في الخطورة.. الأول: حالة الغل والشحناء والبغضاء والتدابر بين المسلمين، والثاني: إفساد ذات البين، وهذين الأمرين يحلقان الدين كما جاء في الحديث الشريف. كما أنه يضرب بسيف الفرقة بين أبناء الأمة.
وإن الإشكالية لدى السلفية ليست في صحة ما يذهبون إليه من اجتهاد، فأنا مثلاً - على المستوى الشخصي - أدين بالاجتهاد السلفي في بعض الأمور، ولكني احترام الاجتهاد المخالف - وإن كان ضعيفاً - ولا أرميه بالبدعة والفسق والضلال.
هذا الخطاب يسهل توظيفه من قبل الطغاة والطواغيت في إثارة القضايا الهامشية التي تشغل بال الناس عن قضاياها المصيرية، فهم - كما قيل - "يحاسبون على البعوضة، ويبتلعون الجمل"، وهذا الخطاب غير مؤهل لأن يعيد الأمة من التيه إلى الرشاد، ومن الغثائية إلى الرسالة.

*   *   *
ولذلك عندما يحدث التفكير بنمط العقلية السلفية في واقعنا المعاصر، يكون أبرز معالمه هو:
- إلغاء الواقع والعودة إلى الماضي فكراً وروحاً.
- عدم الاجتهاد في بناء "الفقه السياسي الإسلامي" كأنه سقط سهواً من علوم المسلمين، وذلك لأن السلف كان إنتاجهم الفكري في مرحلة الملك العضوض، ثم جاء الملك الجبري والطواغيت.. وأصبح الحل هو: الهرب إلى الديمقراطية الغربية كبديل عن الاستبداد، أو القبول به على أنه "فهم السلف" !.
- فقدان القدرة على التحليل والتشخيص والعلاج، وغياب الفقه النفسي والاجتماعي، كما غاب الفقه السياسي.
- فقدان المعالجة الشرعية الدقيقة للواقع المعاصر، وفقدان القدرة على إنزال الأحكام على واقعها، فحدث التشدد في جانب، والتميع في جانب آخر.
- حدوث فجوة عميقة بين الواقع المعاصر للمسلمين، وبين تاريخهم، وبين العلوم الحديثة المعنية بمجالات السياسة ونظم الحكم والهيمنة والتخطيط والتأثير والإعلام والنفس والاجتماع... إلخ.
- إضفاء هالة من التقديس والرهبة عن كل ما هو مكتوب في كتب السلف جميعها.
- فقدان الثقة بالذات، والقدرة على التفكير، وعدم الجرأة في اقتحام مجالات غير ما كتب السلف.
- اعتقاد كل نقل عن السلف هو حق مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
- السطحية والأحادية في تناول المشكلات.
- طغيان العاطفة، والفجور في الخصومة مع المخالف.
- عدم القدرة على استشراف المستقبل، والعجز عن التخطيط القريب والبعيد له.
- الفهم الحرفي للنصوص، والتكلّف في تفسير الآيات.
- التعميم، وعدم القدرة على تفنيد الأقوال والحقائق.
- التنطع في التطبيق.
- عدم التسامح والتواضع.. إنما الغرور والكبر.
- حصر الكتاب - الذي جاء هداية للناس إلى يوم الدين - في كلام السلف، ومنع أي محاولة لتدبر آياته.. بدعوى محاربة البدع.
- اعتقاد هاجس الفتنة عند كل محاولة نقد أو تصحيح، وغلبة التشكيك وسوء الظن.
- الغلظة والتعصب، والجفاء والقسوة.
- إهمال التاريخ الإسلامي، اللهم إلا تاريخ السلف فقط، وعدم الاعتبار منه، وتدبر سننه.
- عدم التطلع لإقامة حضارة إسلامية، بل التطلع إلى إعادة تاريخ السلف، حتى وإن كان تاريخهم حينها سيئاً.
- التسافل في الهجوم على المخالف، والسرعة في إتهامه وإدانته ورميه بالبدعة والكفر.
- احتقار أي إنتاج فكري للمسلمين - غير السلف - والنظر إليه بشك إن لم يكن بهجوم، ووأد أي محاولات فكرية تسبر هذا الواقع.
وبالتالي عندما تتعاطى العقلية السلفية مع الواقع، فإننا نكتشف :
(1)          إنها فقط تحاول التقليد ولا تملك غيره.
(2)          إنها عندما ترجع لتُقلد لا تجد ما تبحث عنه، لأنه أصلاً كان مفقوداً عند السلف - "النظم السياسية" - فتقلد في الجهل والخطأ.
(3)          إنها عندما ترغب في التفكير، تكتشف أن العقل مُحنط، وعضلته ضمرت عن العمل، والنفس لا تملك الشجاعة في التفكير ابتداء.. فهي تُعمل العقل فقط في الحفظ لا التدبر والفهم.
(4)          إنها لا تملك أدوات التفكير، وعلومه، وقواعده.
ولذلك فهي:
-                 تفشل في استبانة سبل المجرمين، ويسهل انخداعها.
-                 تفشل في صياغة خطاب إعلامي مناسب للأمة، ووجود فجوة بينها وبين الأمة.
-                 تضخيم الأمور الصغيرة، وتصغير الأمور الكبيرة.
-                 عدم تقدير المشكلات بصورة علمية دقيقة، والتعامل بساذجة بالغة.
-                 ليس لديها القدرة على منع الاستبداد.
-                 التفكير بصورة عشوائية وأحادية ومختزلة.
-                 سهولة تفجير مجتمعها من الداخل.
-                 الظن بأن "سنن الله" سوف تحابيها لأنها على الحق المبين.
-                 عدم التسامح مع المخالف.
-                 قِصر عمر دولة العدل مقابل دولة الطغيان.
-                 انعزالها عن الأمة والتعالي عليها.
-                 اعتقادها النبوءات والمعجزات في فكرها السياسي.
-                 مساحة الجهل الواسعة بالعلوم اللازمة للتغيير.
-                 خلقة طبقة من الكهنوت، وسهولة التلاعب بالفتاوى.
-                 خلق أجيال تسير في طاعة "عمياء" للسلطان.
*   *   *
التحرر من هذه العقلية السلفية ليس هو بالانتقاص من السلف أو نبذ التراث.. كــلا، فهم علماء أجلاء أسهموا في واقعهم، وفي المجالات التي كانت متاحة لهم في واقع حياتهم، فصاروا أئمة وأعلام تفخر بهم أي أمة.. والتعلم منهم، واحترام قدرهم ومكانتهم فهذا من شيم الكرام.
وإنما التحرر:
- التحرر من فكرهم السياسي، فيما يخص من تأصيل للظلم والبغي وطاعة الظالمين.
- التحرر من حصر العلم الشرعي في إنتاجهم الفكري فقط، والعودة إلى ريادة البشرية في كافة المجالات من جديد.
- التحرر من تقليدهم لمجرد أنهم سلف.. بل إنما هو "الاتباع" عن علم وتمحيص وفهم وتدبر وغاية.
*   *   *
لمزيد من التفصيل :
-                 السلفية.. دراسة نقدية.
-                 إشكالية طالب العلم.

*   *   *