يتساءل بعض الشباب ويتحير في بعض الأسئلة التي تندرج تحت مسمى "العقيدة"، ويبحث بتجرد ـ لا تحيز ـ عن إجابة شافية وافية لها، ويجد عند البحث في إجاباتها مذاهب شتى، وأراء مختلفة، وربما متضادة كذلك! فتزداد حيرته. فالعقيدة من الأمور التي يحب الاستقرار فيها.. الاستقرار الإيماني والنفسي والفكري؛ حيث ينعقد عليها الولاء والبراء، وتُقدم على غيرها؛ لأنها تُمثل إيمان المسلم.. ومن هذه الأسئلة:
السؤال الأول: ما هو رأيك في مسألة كلام الله سبحانه تعالى: هل هو راجع إلى صفة ذاتية أزلية قائمة بذاته ـ تعالى ـ غير مخلوقة؟ أم هو تابع لصفة الإرادة؟ وهل الله ـ تعالى ـ ينطق بحرف وصوت أم كلام نفساني؟ وهل يتكلم ويسكت؟ وهل كلامه قديم أم محدث؟
الجواب: أحسب أنك لو سألت أحداً من الصحابة الكرام هذا السؤال ما استطاع له جواباً.. وهذا السؤال ابتداء ليس سؤالاً عَقدياً يؤثر في إيمان المسلم.. بل هو سؤال فلسفي في كيفية أفعال الله، كيف يتكلم الله، وما هي طبيعة كلامه؟ وذلك مما لا يجوز لنا الخوض فيه، ونؤمن بأن القرآن كلام الله.. وأن الله كلّم موسى عليه السلام، دون البحث في الكيفية.. مع تنزيه الله ـ جل جلاله ـ عن مشابهة خلقه، ولا نضرب لله الأمثال، فليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. وفي الأثر عن ابن عمر وابن عباس: "تفَكَّروا في آلاءِ اللهِ ولا تتفكَّروا في اللهِ، فإنَّكم لن تقدِروا قَدْرَهُ".
***
السؤال الثاني: ما هي عقيدتك في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] هل الاستواء هنا بمعنى جلوسه ـ جل جلاله ـ على العرش، والاستقرار فيه؟ أم الاستواء بمعنى العلو والاستيلاء والهيمنة والتدبير والإحاطة والسلطان؟ وهل الجلوس يعني المماسة لخلقه والاحتياج أم جلوس بلا مماسة؟
وهل ينزل الله ـ في ثلث الليل الأخير ـ نزولاً حقيقياً؟ أم تتنزل رحماته وإفضاله وإنعامه؟ وهل لو نزوله حقيقياً فهل يخلو منه العرش؟ وهل لو نزوله حقيقياً فهل هو نزول قديم أم محدث؟ وهل يظل نازلاً مع اختلاف وقت الفجر حول الأرض؟ وهل يذهب ويجيء وينزل ويصعد؟ وهل الصحيح في هذه الأمور: الإثبات أم التأويل أم التفويض؟
الجواب: هذه أيضاً ليست أسئلة عَقدية يمكن أن تؤثر في إيمان المسلم! بل هي مجرد اختلاف سائغ واجتهاد في تفسير آية من كتاب الله، وهذا هو حيزها الحقيقي.
وأما ما جاء في الحديث الشريف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ" [صحيح البخاري/ 7494]
فالصواب ـ بإذن الله ـ أن كل ما يتناوله اللفظ، وتعالجه اللغة من "أفعال الله" فلا نسأل عن "كيفيتها" أبداً، بل نمضي مع معناها القريب ـ ضمان السياق العام للآيات ومقاصدها ـ دون الإلزام بمقررات معينة مثل: (الصعود والنزول، والذهاب والمجيء، والحيز والفراغ)، فكل هذه مقررات بشرية، يفترضها العقل بمحدداته المعروفة.. والله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي مَكّن المكان وخلقه، وهو الذي زَمّن الزمان وخلقه..
ونمضي مع عظمة الآية الكريمة وهي تصف الله ـ جل جلاله ـ ولا نتجاوزها لاجتهاد البشر في البحث في الكيفية والذات: ﴿سَبَّحَ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّـهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الحديد 1 : 7]
ولو نظرت بعد هذا الوصف العظيم لله ـ جل جلاله ـ تجد: "فالذين آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا" أي: الإيمان، والعمل الصالح.
ولو نظرت في هذا الحديث الذي قامت الدنيا ولم تقعد بسببه (نظراً للبحث في كيفية النزول والاختلاف فيها) نجد أن هذا الحديث "مقصده وهدفه وغايته" هو: الدعاء والتوبة والاستغفار والإنابة واللجوء إلى الله ـ في هذا الوقت المبارك ـ لمن يقوم الليل، أو يقرأ القرآن، أو يستعد لصلاة الفجر، ويذكر الله دائماً في كل الأوقات، فكلها أمور تُزكي المسلم، وترفع درجته. فالذي انتبه لمقصد الحديث وشغل نفسه بالدعاء والصلاة في هذا الوقت المبارك، أفضل وأكرم عند الله ممن شغل نفسه وسأل عن الكيفية هل هي حقيقية أم مجازية، ولم يكن له كبير نصيب من العمل الصالح!
وأما أسوأ الأعمال فهو إفساد ذات بين المسلمين، وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم ـ إلى يوم القيامة والعياذ بالله، ونرجو للأمة صحوة وتوبة ـ وتفرقتهم على أساس الموقف من هذه الموضوعات، وجعلها قضية "عقيدة وإيمان" ينعقد عليها الولاء والبراء، والإيمان الكفر!!
***
السؤال الثالث: هل نرى الله ـ تعالى ـ في الآخرة؟ وهل يستلزم من الرؤية التجسيم؟ وكيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103] وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]؟
الجواب: هذا السؤال أيضاً ليس سؤالاً عقدياً يمكن أن يؤثر في إيمان المسلم.. بل هو اجتهاد في تفسير آية من كتاب الله، ومثل هذه النوعية من الأسئلة نجدها كلها تدور حول البحث في "كيفية أفعال الله"، و"البحث في ذات الله" كيف تكون، ونقفز على هذه الاستحالة المعرفية، للبحث في أسئلة مثل كيفية "رؤية الله" وما نحا نحوها من أسئلة وموضوعات.. وليس هناك إلزام على الله في شيء، فصفاته ـ جل جلاله ـ مطلقة، غير مقيدة بقوانين العقل البشري.. الذي لا يستطيع إدراك الله ـ سبحانه ـ بالبصر.
أما في الآخرة: فيا لسعادة وفوز مَن يكون مِن الوجوه الناضرة الناعمة التي تنظر إلى ربها سواء أكان النظر يعني التمتع في نعيم الله، أم كان النظر إلى جلال الله سبحانه.. فكله نعيم وفوز وفرح وسعادة لا ينقصها شيء، وأولى بمن يريد ذلك النعيم، أن يعمل له عمله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]
***
وأما الذين خاضوا في هذه المسائل واجتهدوا فيها ـ بأي طريق ـ مخلصين الدين والنية لله، فنسأل الله لهم المغفرة جميعاً، ولا نُضلل ـ أو نُكفر ـ أحداً منهم، ولكن نُحذر من الغلو في مثل هذه الأمور وإشغال المسلمين بها، وتفرقتهم على أساس الموقف منها وإفساد ذات بينهم! إنما الانشغال: بتزكية النفوس، وصلاح القلوب، وسلامة الصدور، وعمل الصالحات، والدفاع عن الدين والأمة.
***
السؤال الرابع: ما هي أفضل الكتب العقدية التي تخرج المسلم عن الجهل العقدي، وتبني عقيدته بناءً ربانياً؟
أفضل كتاب للعقيدة هو "كتاب الله".. فيه الكفاية والزيادة وتفصيل كل شيء؛ نتبع ونهتدي بمُحكمه، ونؤمن بمتشابهه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]
***
للمزيد حول هذا الموضوع:
ـ بحث: ألغام في الفكر الإسلامي.
***