قائمة المدونة محتويات المدونة

08‏/10‏/2026

استراتيجية "مواجهة العدو البعيد" - القاعدة نموذجاً

 

كانت استراتيجية تنظيم القاعدة هي: "جهاد العدو البعيد" متمثلاً في "الولايات المتحدة" باعتبارها رأس الكفر؛ والداعم الرئيس للأنظمة العربية الفاسدة، والداعمة لدولة إسرائيل؛ ومن ثم يجب مواجهة هذا العدو في عقر داره، وإنهاكه بالضربات تلو الضربات حتى يسقط تحت التأثير الاقتصادي والتفكك! فهل هذه الاستراتيجية صحيحة، وهل نجحت بالفعل؟ وهل هي قابلة للنجاح؟

[ملاحظة: هذا المقال يتناول فقط "استراتيجية جهاد العدو البعيد" دون غيرها، ويحفظ لذوي السبق والبذل والتضحية مقامهم، وجهادهم بأموالهم وأنفسهم]

تعريف هذه الاستراتيجية: "نقل مركز الصراع من الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية إلى القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، باعتبارها القوة التي تحمي تلك الأنظمة وتمنع إسقاطها. وهي ليست مجرد اختيار لأهداف خارجية، بل نظرية متكاملة لتغيير موازين القوة: ضرب الولايات المتحدة وحلفائها، واستنزافهم مالياً وعسكرياً وسياسياً، ودفعهم إلى الانسحاب من العالم الإسلامي، ثم إسقاط الأنظمة المحلية التي ستفقد سندها الخارجي، وصولاً إلى إقامة حكم إسلامي عابر للحدود."

وهذه الاستراتيجية خلطت بين إحداث "اضطراب استراتيجي" وتحقيق "نصر سياسي".

فقد نجحت في:

• تدويل خطاب الجهادية.

• استدراج تدخلات عسكرية.

• بناء شبكة عابرة للحدود.

• إحداث أثر إعلامي ونفسي كبير.

• إظهار الولايات المتحدة كقوة محتلة.

• تعبئة المسلمين حول قضية عالمية.

• تحويل مناطق جديدة إلى ساحات جهاد.

• استقطاب مقاتلين وتمويل وشبكات دعم.

وفشلت في:

• إخراج الولايات المتحدة من النظام الدولي بالقوة.

• إسقاط أنظمة الدول الإسلامية بصورة متسلسلة.

• بناء قاعدة شعبية واسعة.

• إقامة كيان سياسي مستقر.

• الحفاظ على قيادة مركزية وقدرة عملياتية عالمية مستدامة.

وقد مَثّل سقوط الاتحاد السوفيتي ـ بعد الجهاد الأفغاني ـ زخماً ودفعاً لـ "تنظيم القاعدة" في صياغة استراتيجية العدو البعيد، دون مواجهة الأنظمة العربية الباغية الفاسدة، باعتبار أمريكا هي رأس الحربة، وقائدة النظام الدولي.

وبالفعل نجح تنظيم القاعدة في توجيه ضربة 11 سبتمبر لأمريكا، وفرح المظلمون في أنحاء العالم وشمتوا في هذه الدولة التي ما فتأت تطلق الحرب في كل مكان، وتسرق مقدرات الشعوب، وتحارب الأمة المسلمة. ورغم ذلك قال الشيخ أبو مصعب السوري وأيده الشيخ عطية الله الليبي ـ رحمهما الله ـ في تداعياتها الخطيرة والسلبية على "المجاهدين فقط دون التداعيات الأخرى": إنها كانت أخدود للمجاهدين؛ ’’التهم معظم كوادره وقياداته وأكثر قواعده، ولم يسلم منهم من القتل أو الأسر إلا النذر اليسر‘‘ ’’ويكفيك أن طالبان دولة أو شبهة دولة، زالت! وجماعات أخرى متكاملة اضمحلّت وزالت أو كادت..! والقتل والأسر الذي استحرّ في أهلها وأفرادها وغيرهم شيء لا مثيل له في القريب..!‘‘. [الأعمال الكاملة للشيخ الشهيد عطية الله الليبي، ص 120]

بعد هذه الضربة الموجعة أطلقت أمريكا ما يسمى "الحرب على الإرهاب" وقامت بغزو أفغانستان والعراق.. رغم أنه لا علاقة للعراق بهذه الضربات ولا بتنظيم القاعدة، إلا أن أمريكا كانت تريد تغيير الشرق الأوسط، والسيطرة على النفط، وحصد فوائض أموال الخليج، ونشر الفوضى الخلاقة!

توالت الضربات الأمريكية وحشدت أنظمة العالم الإسلامي كله خلفها لضرب البؤر الجهادية في كل مكان!

عجز "تنظيم القاعدة" عن المضي قدماً في هذه الاستراتيجية بضرب العدو البعيد، فبعد 11 سبتمبر لم يستطع التنظيم توجيه أي ضربات ذات بال في أمريكا أو في أوروبا. وبدى عاجزاً وقليل الحيلة بعد توحش الحرب على ما يسمونه "الإرهاب". (انظر مقال: تجربة بن لادن)

حتى جاءت "ثورات الربيع العربي" وظهر ما يبدو مراجعات في نهج التنظيم، إلا أن استشهاد الشيخ بن لادن ـ رحمه الله ـ يبدو أنه حال دون إتمام هذه المراجعات.. لكن بدى أن التنظيم بدأ ينتقل من جهاد النخبة ـ أو الفئة ـ إلى الجهاد الشعبي، والبحث عن "أنصار الشريعة" من فئات المجتمع المختلفة.

ومما قاله الشيخ عن الربيع العربي: ’’أُمّتي المُسلِمَة، نراقبُ معكِ هذا الحدث التاريخيّ العظيم، ونشاركُكِ الفرحةَ والسرورَ والبهجةَ والحبور، نفرحُ لِفرحكِ وَنترحُ لِتَرَحكِ، فهَنِيئًا لكِ انتصَارَاتُك، ورَحِمَ اللهُ شهداءَكِ، وعَافَى جرحَاكِ، وفرّجَ عن أسرَاكِ... وبسرعَةِ البَرقِ أَخذَ فُرسَانُ الكنَانَةِ قَبَسًا مِن أَحرَارِ تُونُسَ إِلَى ميدَانِ التّحرِير، فانطلَقَت ثَورةٌ عظيمةٌ، وَأَيُّ ثَورَة! ثَورَةٌ مَصِيرِيّةٌ لمِصرَ كلِّها وَللأُمّة بِأسرِها إِن اعتصَمَت بِحَبلِ رَبِّها، وَلم تَكُن هذِه الثّورَة ثَورَةَ طَعَامٍ وكِسَاء، وإِنَّمَا ثَورَةُ عِزٍّ وَإِبَاء، ثَورَةُ بَذلٍ وَعطَاء، أضَاءَت حَواضِرَ النّيلِ وَقُرَاه مِن أَدنَاه إِلَى أَعلَاه، فَتَراءَت لِفتيَانِ الإِسلَامِ أَمجَادُهُم، وَحَنّت نُفُوسُهم لِعَهدِ أَجدَادِهم، فَاقتَبَسُوا مِن مَيدَانِ التّحرِيرِ فِي القَاهِرَةِ شُعَلاً لِيَقهرُوا بِهَا الأَنظِمَةَ الجَائِرَة، وَوَقَفُوا فِي وَجهِ البَاطِلِ وَرَفَعُوا قَبضَاتهم ضِدّه، وَلم يَهَابُوا جُندَه، وَتَعَاهَدُوا فَوثّقُوا المُعَاهَدَة، فَالهِمَمُ صَامِدَةٌ، وَالسّواعِدُ مُسَاعِدَةٌ، والثّورَةُ وَاعِدَة... أَمَامَكُم مُفتَرَقُ طُرُقٍ خَطِير، وَفُرصَةٌ تَارِيخيّةٌ عَظِيمَةٌ نَادِرَةٌ لِلنُهُوضِ بِالأُمّةِ، وَالتّحَرُّر مِنَ العُبُودِيَّةِ لِأَهوَاءِ الحُكّامِ، وَالقَوَانِين الوَضعِيّةِ، وَالهَيمَنَةِ الغَربِيّةِ.  فَمِنَ الِإثمِ العَظِيمِ وَالجَهلِ الكَبيرِ أَن تَضِيعَ هَذِهِ الفُرصَةُ الّتِي تَنتَظِرُهَا الأُمّةُ مُنذ عُقُودٍ بَعِيدَةٍ، فَاغتَنِمُوهَا وَحَطّمُوا الأَصنَامَ وَالأَوثَانَ، وَأَقِيمُوا العَدلَ وَالإِيمَان... وَإنَّ ضَعفَ الوَعيِ عِندَ كَثِيرٍ مِن أَبنَاءِ الأُمّةِ النَاتِجُ عَن الثّقَافَةِ الخَاطِئَةِ الّتِي يَبُثّهَا الحُكّامُ مُنذُ عُقُودٍ بَعِيدَةٍ هُوَ المُصِيبَةُ الكُبرَى، وَمَا مَصَائِبُ الأُمّةِ الأُخرَى إِلَّا ثَمَرَةٌ مِن ثَمَرَاتِهَا المُرّة، فَثَقَافَةُ الذُّلِّ وَالهَوَانِ وَالخُنُوع، وَتَكرِيسِ الطَّاعَةِ المُطلَقَةِ لِلحُكّامِ -وَتِلكَ عِبَادَةٌ لَهُم مِن دُونِ الله- وَالتّنَازُل عَن أَهَمِّ الحُقُوقِ الدِّينِيّةِ وَالدّنيَوِيّةِ لَهُم، وَجَعلِ القِيَمِ وَالمَبَادِئِ وَالأَشخَاصِ تَدُورُ فِي فَلَكِهِم، فَتُفقِدُ الإِنسَانَ إِنسَانِيّته، وَتَجعَلهُ يركضُ وَرَاءَ الحَاكِمِ وَإِرَادَتِه، دُونَ إِدرَاكٍ أَو تَبَصّر فيُصبِح إِمّعَة؛ إِن أَحسَنَ النّاسُ أَحسَن، وَإِن أَسَاؤُوا أَسَاء، مِمّا يَجعَلهُ كَسِلعَةٍ مِن سَقطِ المتَاعِ، يَفعَلُ بِهَا الحَاكِمُ مَا يَشَاء، وَهَؤُلاءِ هُم ضَحَايَا الظّلمِ وَالاِستِبدَادِ فِي بِلَادِنَا، الّذِينَ أَخرَجَهُم الحُكَّامُ لِيَهتِفُوا بِاسمِهمِ، وَيَقِفُوا فِي خَندَقِهِم، وَقَد سَعَى الحُكامُ لِيَتَخَلّى النَّاسُ عَن أَهَمّ حُقُوقِهم الّتِي آتَاهُم اللهُ إِيّاهَا، فَعَطّلُوا عُقُولَ الأُمّةِ، وَهمَّشُوا دَورَهَا فِي الشّؤُونِ العَامّةِ المُهِمّةِ عَبرَ تَضَافُرِ جُهُودِ مُؤَسّسَاتِ الدّولَةِ الدّينِيّةِ وّالإِعلاَمِيّةِ لِإصبَاغِ الشَّرعِيّةِ عَلَيهِم، فَسَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ وإِرَادَاتِهم وَعُقُولَهُم، وَرَوّجُوا لِصَنَمِيّةِ الحَاكِمِ، وَأَسّسُوا لَهَا زُورًا وَبُهتَانًا بِاسمِ الدّين‘‘

 ثم كانت تجربة سوريا، وفيها: "جبهة النصرة" تبايع القاعدة، وتتبرأ من "تنظيم الدولة" الذي مَوّل وأمد النصرة بالمال والرجال، وتنظيم الدولة بغلوه الفاحش يُكفر النصرة والقاعدة! وكل مُكون غيره، مُعيداً تجربة "الجيا" الجزائرية! [انظر مقال: الجيا والدولة] فقامت النصرة بتغيير اسمها إلى "جبهة فتح الشام" مع إبقاء البيعة سرية للقاعدة؛ للتخلص من وصمة الإرهاب، والاستهداف الدولي! ثم قررت أخيراً أن تقطع صلتها بالقاعدة تماماً؛ وتُغير اسمها للمرة الثانية لـ "هيئة تحرير الشام".. ولتقطع علاقاتها بالجهاد العابر للحدود، ومنها يخرج تنظيم "حراس الدين" بعدد محدود من الرجال، والباقين على نهج القاعدة.. والذين تم اغتيال جميع قياداتهم إما بطيران التحالف المسير، أو بالتفخيخ... إلخ. رغم أن التنظيم أعلن عن حل نفسه بعد انتصار الثورة السورية وتحرير دمشق من النظام المجرم!

وكان هذا تقريباً هو الفصل الأخير لتنظيم القاعدة في المشرق العربي. وقد كان رهان القاعدة على جبهة الشام كبيراً جداً، خاصة بعد تمرد فرعه في العراق، وانحصاره في اليمن. فعملت "استراتيجية مكافحة التمرد الأمريكية" على قطع رؤوس القيادة بأقل تدخل عسكري، مع مساعدة القوات المحلية.

هذا التمهيد مُقدمة لبيان صحة استراتيجية العدو البعيد من عدمها.

الحقيقة.. وبعد دراسة التجربة من بعدها التاريخي والواقعي، نرى خطأ هذه الاستراتيجية رغم إخلاص وفدائية وبسالة رجالها.

هذا الخطأ يتمثل في الآتي:

ـ عدم إدراك ما تملكه من قوة، والمجال الصحيح الذي يسمح لك بالتحرك فيها "هجوماً".

ـ عدم التمييز بين ما تملكه من قوة، يسمح لك بالدفاع عن أرضك، والقوة التي تسمح لك بـ "الهجوم".

ـ الاستراتيجية تعني القدرة على الاستمرارية، وتحقيق النتائج المرجوة على المدى البعيد والمتوسط.. إذا فشلت في تحقيق النتائج المرجوة فقد فشلت الاستراتيجية أياً كان مجال عملها وتصوراتها. حيث غياب استراتيجية سياسية قابلة للتحقق: فلم يقدّم التنظيم مساراً واقعياً من الهجوم إلى نظام مستقر أو حكم مقبول؛ كما أن شعاراته العابرة للحدود لم يملك معها التنظيم قاعدة حكم أو موارد أو قبولاً شعبياً يتيح له تحويلها إلى مكاسب سياسية مستدامة.

ـ افترضت القاعدة أن الولايات المتحدة ستتراجع تحت ضغط الخسائر والتكاليف. لكن هجمات 11 سبتمبر أدت إلى تعبئة عسكرية واستخباراتية ضخمة، وتحالف دولي واسع، وإقامة منظومة عالمية لمكافحة الإرهاب. أي إن التنظيم استدرج خصمه إلى الحرب، لكنه لم يتحكم في شكل الحرب ولا في مدتها ولا في نتائجها.

ـ الهجوم على العدو البعيد لم يؤدِّ تلقائياً إلى انتفاض الشعوب المسلمة ضد حكوماتها. بل إن كثيراً من المجتمعات رأت في القاعدة مصدراً للفوضى والقتل، لا طليعة لتحريرها. ومن دون قاعدة اجتماعية واسعة، بقي التنظيم نخبة ـ فئة ـ مسلحة منفصلة عن قطاعات كبيرة من السكان.

ـ لم تُخرج الهجمات الولايات المتحدة من المنطقة على النحو الذي توقعه التنظيم؛ بل أعقبتها تدخلات عسكرية أوسع، كما أسهمت في تشديد التعاون الدولي ضدّه.

ـ السنة النبوية الشريفة فيها "تحييد الخصوم" وليس استثارة العدو، كما حصل في "غزوة الأحزاب" ـ وهي من أخطر الغزوات في تاريخ صدر الإسلام ـ وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ لنُعيمُ بن مسعود: "خَذِّل عنَّا ما استطعت"؛ فهذا هدف بحد ذاته.

ـ كما كان يُقال بينهم إن الأنظمة العربية ـ التي تعيث في الأرض فساداً، وتستذل شعوبها، وتسرق ثرواتهم ومقدراتهم ـ لا يمكن مواجهتها لأنها قوية! بينما الذهاب إلى مواجهة أمريكا كان ممكناً! وهذا تصور خاطئ! فحتى مع افتراض انهيار أمريكا على طريقة الاتحاد السوفيتي ليس بضمانة أن أنظمة الدول العربية الطاغية سوف تنهار تباعاً هكذا بكل بساطة! كما أنه حتى مع افتراض انهيارها، ليس معناه بالضرورة أن تحل القوى الإسلامية محلهم.

ـ ليس في الإسلام "مواجهة انتحارية" غير محسوبة العواقب، ففي "سورة الأنفال" في مناسبة غزوة بدر نجد قوله تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [الأنفال: 43] وقوله جل جلاله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65] فهذا التحديد لفارق القوى بين الفئة المؤمنة والفئة الكافرة كان غرضه تحديد مجال المواجهة، وعدم المضي في مواجهة يُظن فيها إبادة للمسلمين أو تدمير لبلادهم، أو مظنة انهزامهم، حتى في غزوة الأحزاب اقترح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على عُتَيْبَةَ بْنِ حِصينٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ قَائِدَيْ غَطَفَانَ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا وَمَنْ مَعَهُمَا لِيَكْسِرَ عَنْ أَصْحَابِهِ شَوْكَتَهُمْ حِينَ رَمَتْهُمُ العرب عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ" تفادياً لهذا التحزب ومحاولة تفكيكه.

وفي "غزوة مؤتة" حيث كان الفرق هائلاً بين عدد المسلمين البالغ حوالي 25 ألفاً، وعدد الروم البالغ مائتي ألف.. واستطاع خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ بعبقريته الحربية المعهودة تجنب المسلمين الإبادة، ورجعوا المدينة، وأثنى عليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنهم "الكرار" أي: الشجعان الذين يهجمون على الأعداء.

ـ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123]، وفي هذه الآية دلالة على ضرورة اتصال الجغرافيا الإسلامية، ووجود الملاذ الآمن، والمدد المتصل، والنواة الصلبة، والقدرة على التحيز لفئة المؤمنين؛ ولذا لم يتمكن المسلمون من فتح فارس والروم إلا بعد تحرير الجزيرة العربية كلها.

ـ تجاهل طبيعة الدولة القومية الحديثة، وتوازنات ومراكز القوى في النظام الدولي. وهذا يؤدي إلى حسابات خاطئة قد تؤدي إلى نتائج كارثية.

ـ التوجيه القرآني أقر باعتبار الحدود الجغرافية، ونطاق ومدى القوة، عندما اعتبر ولاية المؤمنين بعضهم بعضاً في دولة المدينة؛ فالمواطنة الإسلامية الكاملة ـ والولاية والحماية ـ كانت للذين هاجروا وجاهدوا، وأما الذين بقوا على إسلامهم ولم يهاجروا لدولة المدينة إنْ تعرضوا للفتنة في بلد بينه وبين دولة المدينة عهد وميثاق (ولم ينص على حماية الأقلية المسلمة) فدولة المدينة لا يمكنها نقض العهد، ولا يمكنها نصرة هؤلاء المستضعفين، والخيار أمام هؤلاء المستضعفين هو الهجرة لدولة المدينة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72] بينما على الدولة الإسلامية نصرة مثل هؤلاء المستضعفين في حال لم يوجد ميثاق أقرته القيادة الراشدة المسلمة؛ فهاهنا اعتبار: لحدود الدولة، ولمدى القوة، وللمعاهدات، والمواثيق. [للمزيد انظر: الجزء الأول من "التفسير الاجتماعي السياسي للقرآن الكريم "سورتي الأنفال والتوبة" يُنشر قريباً إن شاء الله]

***

هل يمكن لاستراتيجية مواجهة العدو البعيد أن تنجح على هذا النحو من الاستهداف؟

الحقيقة.. لا! هذه الضربات مهما بلغت لا يمكن أن تُسقط دولة عظمى مثل أمريكا، وحتى الدول المعادية لها لا تفكر في ذلك؛ فمثلاً: الصين وروسيا دول نووية عظمى ولها مقعد في مجلس الأمن، ولا تجرؤ على تهديد أمريكا؛ لأنها تعرف حدود قوتها، وتتحرك في استراتيجية دقيقة صرامة، وتراكم قوتها لحين اللحظة المناسبة.. واللحظة المناسبة لديهم (بالنسبة للصين): السيطرة الكاملة على بحر الصين الجنوبي وجزيرة تايوان، والتمدد اقتصادياً حول العالم. (وروسيا): التمدد حول حدودها وفضائها في أوروبا الشرقية. فحتى طموح أكبر الدول لم يكن في مهاجمة أمريكا. وليس معنى ذلك أن أمريكا قوة لا تُقهر، فلكل دولة نهاية {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ولكن المعنى: أن تعد ما استطعت من قوة، وتستعد ليوم دولتك.

بينما أنت في بعض الأحيان ـ رغم مركزية القرار في التنظيم ـ تنقطع القيادة عن فروعها بالشهور الطويلة، من شدة الحصار، والظروف الأمنية المحيطة! فإدراك "المدى" و"المجال" لما تملكه من قوى ضرورة لرسم الخطط الحربية.

***

إذن.. هل يصح أن يقف المجاهدون عند حدود سايكس بيكو، ويرفضوا في ثوراتهم ـ مثلاً ـ الجهاد العابر للحدود كما فعلت "جبهة النصرة" على سبيل المثال؟

نعم، ولكن بشروط.

ـ إنَّ اعتبار حدود سايكس بيكو، أي الدول القومية الحديثة ليس معناه التخلي عن الأخوة الإسلامية، والأمة الواحدة.. إنما معناه "تحديد مجال العمل" واحترامه، وتجنب استعداء الأعداء، فليس من المعقول أن تعلن في دولتك التي تريد لها ثورة وتحريراً من نظام حاكم مجرم فاسد فاجر، تهيئت الفرص للتخلص منه.. أن تعلن أنه بعد الانتهاء منه سوف تنطلق لتقضي على كل الدول الحدودية لك ثم التي تليها! فمن الطبيعي أن تتحد هذه الدول وتُجيش كل جيوشها ومواردها لحربك. (انظر: ميلاد الثورات العربية)

فواقع الدولة القومية الحديثة وصلاتها بالنظام الدولي الحالي هو واقع لم نصنعه ولم نرتضيه ولم نقره، ومطلوب أن نتعامل معه بما يحقق الرشد والصلاح والإيمان والتقوى.

ـ ومن ثم لا تستطيع أيضاً أن تقول: إنك بعد أن تنتصر سوف تهاجم من بلدك الدول العظمى وسترسل إليهم المفخخات والمتفجرات؛ فسوف يحزبون عليك العالم أجمع، بينما أنت بعد كيان صغير يحبو! وهي تهاجمك في كل حال! لكن المسلم لا يتمنى لقاء العدو، وينتهز الفرص، والهوامش، ومستمر في دعوته وحركته أبدا.

فمثلاً: الدولة الأموية على اتساعها، والدولة العباسية على قوتها عجزت عن فتح القسطنطينية رغم الحملات والغزوات عليها، ولم تُفتح إلا في عهد العثمانيين.. بعد تراكم للقوى، واتصال الجغرافيا، وتهيئ الظروف.

وما الذي لا يصح ولا يجوز ومن أكبر المحرمات؟

ـ الغدر والخيانة حرّمهما الله حتى مع الكافرين، فقال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58]

ـ قتل النفس المعصومة بغير حق، وبغير شريعة من الله.

ـ تَسليم المسلمين لأعدائهم الكافرين.

ـ الدخول في تحالف دولي بقيادة أمريكا لقتال المسلمين ـ وإن كانوا بغاة وخوارج ـ فقادة التحالف هم من يحصدون الثمار، وتكون أنت بمثابة جندي في تحالفهم، ويد الكفرة هي العليا، ولا يمكن الخروج عن إرادتهم! وهذا ليس له علاقة بفتوى "الاستعانة بكافر"! التي حدودها في الاستعانة بأفراد من الكافرين تحت حكمك ومشيئتك، أو الاستعانة بدول يُطلب منها العون لما لديها مما يفتقر إليه المسلمون وهم يحتاجونه بشدة كسلاح نادر لاستخدمه في حرب مشروعة؛ كمثل استعانة محمد الفاتح بالمهندس المجري مصمم المدافع لدك حصون القسطنطينية؛ فهذا تحت إمرة المسلمين وفي خدمتهم، وليس العكس! والتفاوض مع الكافرين وعقد المعاهدات معهم شيء، والدخول في موالاتهم وخدمتهم على حساب الإسلام والمسلمين شيء آخر تماماً، فالمسلم أخو المسلم لا يُسلمه لعدوه، ولا يخذله في نصرة وهو يستطيع، ولا يُظاهر الكافرين عليه.

***

وجدير بالذكر أيضاً أن التنظيم ـ في كثير من أدبياته ـ يصف حكومات الدول العربية والإسلامية بأنها "حكومات مرتدة"، ونخالفهم في هذا الوصف، سداً لذريعة "الغلو في التكفير"؛ ونصفها بأنها أنظمة منافقة باغية عميلة خائنة ونحو ذلك من أوصاف مع إبقاء انتسابهم للإسلام معتبراً؛ فيكون قتالهم ـ عند توافر أسبابه وشروط نجاحه المعروفة وتهيأ فرص النصر والغلبة ـ قتال أهل البغي، كما سبق البيان في بحث: "الفئة الباغية"، ودرس "الكفر البواح" من كتاب: "العقيدة السياسية في التصور الإسلامي"؛ فالقتال ليس على "تنزيل" القرآن، إنما على "تأويله".

***

إنَّ شباب هذا الجيل المحب لدينه والمتوفّز لنصرته فرض عليه مراجعة ودراسة تاريخ "الحركة الإسلامية"؛ لينهل من تجاربها الدعوية والسياسية والجهادية، بعين بصيرة مفتوحة موضوعية حيادية دقيقة صارمة منصفة، مع احترام كل من بذل جهده، واستفرغ وسعه، ومن يعمل مع الله يكسب كل شيء. ونسأل الله المغفرة والرحمة والرضى لكل من بذل وسعه وجهده ابتغاء مرضاة الله.

إنَّ مثل هذه الدراسة الواعية توفر على شباب الجيل القادم تكرار التجارب الفاشلة، وتفتح عينيه على رصيد وذخيرة من التجارب على كل صعيد؛ ليخرج من قصصهم بالعبرة، والخبرة، والحكمة، والرشد، ويتحرر من التعصب والتشنج والغلو والتميع والسطحية والسفه والتحزب؛ ليحمل الراية على بصيرة.. عسى الله أن يكتب على يديه التمكين الراشد؛ فيُعلي كلمة الله، ويُصلح ما أفسده الفجار، ويمضي في خلافة راشدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

***